تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رؤية للاستشارات

EN
AR

نَعمَلْ نُخْلِص

تأملات
نعمل بإخلاص… لأننا ننتمي لهذا الوطن
مشاركة عبر
مشاركة عبر
إلغاء

وطأت قدماي لأول مرة أرض دولة الإمارات العربية المتحدة سنة 1980 عندما أتى بنا والدي حفظه الله إلى دولة الإمارات، وكان عمري آنذاك خمس سنين. تعلمت في مدارسها الحكومية في إمارة الشارقة، وأذكر منها مدرسة بلقيس، حتى مرحلة الثانوية العامة التي قضيتها في مدرسة فاطمة الزهراء وتخرجت منها. بعدها عملت كمساعدة مدرسة في إحدى المدارس الخاصة في الدولة. 

تزوجت هنا وأنجبت أطفالي في مستشفى الوصل الحكومية، الذين ترعرعوا في هذه الدولة التي يعتبرونها وطنًا لهم.

 

 

“لا تشلون هم”

 

في الفترة السابقة شهد العالم احداث وظروف صعبة عديدة تركت آثارها على شريحة كبيرة من الناس حول العالم بدءًا من الأزمة الاقتصادية عام 2008 مرورًا بجائحة كورونا عام 2020، وغيرها. ولكن ورغم تلك الأوقات والظروف الصعبة فقد ظل وطننا الإمارات وكل الذين يعيشون على أرضه ينعمون بالأمان في أجواء من الطمأنينة والخير في جميع مفردات حياتهم اليومية، أذكر هنا البلسم المتمثل في الكلمة الشهيرة لرئيس الدولة، صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد حفظه الله وقت الجائحة، “لا تشلون هم”، كان لهذه العبارة وقع قوي وعميق في نفسي كوني أعيش على أرض هذا الوطن وكانت أصدق رسالة طمأنينة، لها أثر يشبه السحر عليَّ وعلى الجميع الذين استمروا في ممارسة حياتهم الطبيعية مع الالتزام بالتوجيهات التي كانت تصدرها السلطات المختصة بين حينٍ وآخر.

إن ما أكتبه اليوم ليس بهدف الثناء، ولعلي أريد أن أعبّر عن حبي وإعجابي العميق في هذه المنظومة والمنهجية الفكرية والسياسية والاقتصادية التي تتبناها الدولة. هو تعبير صادق بالانتماء لهذه الأرض الطيبة التي منحتني كُل شيء حتى أصبحتُ جزءًا من هذه المنظومة الراقية حيث (في الإمارات الكل إماراتي).

 

 

أرض الحكمة والطمأنينة والسلام

 

لقد تعرضت الدولة في الآونة الأخيرة لعدوان غاشم وغير مبرر على الإطلاق نجم عنه ظروف استثنائية وغير مسبوقة على كل من يعيش في هذه الدولة المسالمة، ظروف حرب وقصف وخوف وتهديد تصدت لها القيادة الحكيمة بقرارات شجاعة. تمثلت في تأمين كل مستلزمات الحياة اليومية للجميع بدون استثناء، وإشاعة الطمأنينة المجتمعية من خلال تواجد قادتنا شخصيًا في الأماكن العامة ومشاركتهم لنشاطات اجتماعية ورياضية عالمية، وتفقدهم للجرحى الذين تحولت إصاباتهم إلى أوسمة فخر على صدورهم. هذا إلى جانب قيادتهم لقواتنا المسلحة الذين تصدوا للعدوان بكل اقتدار وبطولة وسطروا ملاحم كبرى في الشجاعة والتضحية وقدموا الشهداء الذين ارتقوا في سبيل أن تبقى دولة الإمارات بأرضها وسمائها ومياهها طاهرة من أي دنس وأن تبقى رايتها عالية خفاقة على الدوام. 

 

في بداية الأزمة كنا كلنا حماسة وترقب لسماع ما الذي سيدلي به رئيس الدولة سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد حفظه الله، لطمأنة شعبه، إذ حملت كلماته رسائل طمأنينة وعزة وقوة، مؤكدًا أن دولة الإمارات بخير، وأنها نموذج وقدوة ومعتزًا بالجيش والمؤسسات، ومبشرًا بأن الدولة ستخرج من التحديات أقوى، أصبحت كلماته “الإمارات قدوة، لكن اقلكم لا تغشكم الإمارات، ترى الإمارات يلدها غليظ، ولحمتها مُرة” نافذة للأمل والراحة لقلبي، امتلأت بها واجهات البيوت والمباني لتذكير الشعب أن القيادة معنا ونحن نعيش في ظل حمايتها وما علينا سوى العمل والإخلاص فيها.

 

 

كلنا همة للعمل .. كلنا إخلاص للوطن

 

العمل والإخلاص كلمات بسيطة ولكنها تحمل في طياتها معانٍ كبيرة، كنا نرددها في المدارس كل صباح “نَعمَلْ نُخْلِص” ونقسم على ذلك. هذه الكلمات ترسخت في وجداني منذ الطفولة بحيث أصبح العمل والإخلاص به وجهان لهدف واحد ولكوني أحبُ دولة الإمارات فقد بات عملي مقترنًا بالحب للمكان الذي أعمل فيه في شركة رؤية وفي المدارس والجامعات التي يتلقى فيها اولادي علومهم وللموقع الذي يمارس فيه رب أسرتي عمله. 

 

ماذا يعني العمل والإخلاص؟ بالنسبة لي: عطاؤنا يجب أن يكون مضاعفًا ومؤازرتنا لوطننا الإمارات يجب أن تكون فوق أي اعتبار. مثل اللحظات التي كنا نستقبل بها التنبيهات على هواتفنا لنسرع إلى الطابق السفلي من البيت حاملين أجهزة الحاسوب ومستمرين في اجتماعاتنا مع عملائنا الذين وضعوا ثقتهم بنا وبعملنا، ودروس أولادي الجامعية مع أساتذة بذلوا ما بوسعهم لإكمال رحلة التعلم والتعليم للطلاب، إذ لم تثبط هذه التهديدات الغاشمة من عزيمتنا واصرارنا على استمرار العمل في ظل أي ظروف, ولأننا اخترنا أن يبقى الوطن هانئًا مطمئنًا. 

 

نَعمَلْ نُخْلِص“، لها وقع مختلف عليّ اليوم، فهي عمّقت إدراكي بأن كل ما علينا فعله الآن هو العمل والإخلاص به وبكل الحب. عطاؤنا وعملنا يجب أن يكون بمثابة رد ولو الجزء اليسير من الجميل لهذه الأرض التي لم تبخل علينا يومًا بالعطاء الذي لا ينقطع وبالحياة الحرة الكريمة التي نعيشها.

 

 

تمارا الدباغ
تمارا الدباغ
صقلت تمارا خبرتها في الترجمة وكتابة السرديات من خلال خلفيتها القوية في مجال التعليم وشغفها بالأدب والثقافة والفنون. تقود تمارا قسم تطوير المحتوى، حيث تقوم بصياغة محتوى جذاب ومؤثر لمجموعة متنوعة من عملاء رؤية، من بينهم مؤتمر الأطراف الثامن والعشرون (COP28) وجناح الإمارات العربية المتحدة في إكسبو ومتحف زايد الوطني وميزا وأعوام الإمارات، والعديد من المؤسسات الثقافية في المنطقة.

رمضان وإعادة ضبط النفس

تأملات
تأملات في رمضان ومعنى الزمن
مشاركة عبر
مشاركة عبر
إلغاء

 

تنتابني في الفترة الأخيرة مشاعر من الحيرة وفقدان الدافع والفراغ الحقيقي. وهي مشاعر غريبة تمامًا على إنسانة مثلي، اعتادن دومًا على مشاعر الحماس والاندفاع نحو الحياة في شتى الظروف. بدأت أبحث عن الأسباب، ووجدتُ نفسي أتحدث مع أقرب الناس إليّ. منهن من نصحني أن أنتبه أكثر إلى نمط غذائي ونومي، وأخرى نوّهت  أنها حالة إرهاق شديد طبيعية بعد عام من الاستنزاف الشامل على كل الجوانب. أما صديقتي تلك فأتت بحلٍ مختلف كليًا: تسريحة شعر مختلفة بلونٍ جديد، وقد فعلتُ ذلك بالفعل. 

ولعل من الغريب بالأمر أن بين هذه الأحاديث والتساؤلات ومشاعري المضطربة، ظل صدى كلمات كتاب «أوراق محارب النور ” لباولو كويلو يتردد في ذهني:

«يفقد محارب النور قلبه أحيانًا.

يظن أن لا شيء قادر على إثارة تلك العاطفة فيه. فيضطر إلى قضاء أمسيات وليالٍ كثيرة وهو يشعر بأنه من المغلوبين، ولا يبدو شيء قادرًا على إعادة حماسه.

يقول أصدقاؤه: ربما انتهت معركته.

يشعر المحارب بالألم والحيرة حين يسمع ذلك، لأنه يعلم أنه لم يبلغ بعد المكان الذي أراده. لكنه عنيد، ويأبى أن يتخلى عن مقصده.

ثم، حين لا يتوقع، ينفتح باب جديد.»

أعتقد أنني محظوظة جدًا لأن هذه التوليفة الغربية من الأسئلة التي يطرحها عقلي وقلبي عليّ بدأت قبيل أيام من شهر رمضان المبارك. وأنا أؤمن وأكاد أجزم أن رمضان سيصلح كل الأمور. وها نحن يوميًا نجد أنفسنا ننجرف وننغمس في بحر التوقعات وضغط الإنتاجية والتكنولوجيا التي تكاد لا تفارقنا. بدأت أشعر بحق أننا شيئًا فشيئًا، نتحول من بشر إلى آلات تعمل بوقود القهوة والطعام. كل شيء آلى، حتى العلاقات والأيام تفقد معناها تدريجيًا. 

ثم يأتي رمضان فيهدم أوهام الآلية، ويذكرك بانسانيتك وبجمالية بطء الحياة أحيانًا. تجوع وتعطش وتستمر في العمل. تستيقظ لصلاة الفجر، وعند المغرب تجتمع مع الأحباب لتفطر، على مائدة واحدة،تجردنا من أدوارنا وألقابنا وأجنداتنا، وتكشف عن إنسانية بسيطة تتمثل في جوع وعطش ورغبة في مشاركة العيش والملح.

وهنا بدأت بطرح الأسئلة، لم ينجح شهر رمضان أن يعيد إلينا إنسانيتنا؟ ما هي أسرار الوقت التي تتغير وتتكشف عن أشكال جديدة كل رمضان. كيف لليوم أن يطول ويطول حتى أن الدقيقة قبل الإفطار ساعة؟ وما هي العلاقة المتشابكة بين الزمن والإنتاجية؟ كيف لساعة أن تقصر وتطول في رمضان، خلافًا عن غيره من الأشهر؟ ولأن بوادر الخير هلّت هذا الشهر، رجع اندفاعي وحماسي لاستكشاف الزمن ومعانيه وقمت ببدأ عملية بحثية مع زملائي هنا في رؤية. سنحدثكم عن هذا قريبًا. رمضان مبارك!

 
مروة شاكر سلامة
مروة شاكر سلامة
مستشارة بحوث وتسويق متمرسة تتمتع بخبرة تزيد عن 25 عامًا في مجال تحليل السوق والبحوث والتنمية البشرية. تقود مروة قسم الأبحاث في رؤية، حيث تستفيد من تخصصها في مجال علم النفس في إدارة ما تقوم به من مهام في رؤية. وقد ساهمت مروة في إنجاح عدد من المشاريع الرئيسية في رؤية، مثل عيد الاتحاد وأعوام الإمارات، بتقديمها نتائج بحثية قيمة ساعدت في بلورة الأُسس الثقافية والاستراتيجية لهذه المشاريع.

تجنّب مصير الـ 67%

أعمال
رحلة "رؤية" ونصائح للشركات الناشئة
مشاركة عبر
مشاركة عبر
إلغاء

تنويه:

قد تتطلب قراءة هذه المقالة وقتًا أطول من المعتاد، ومع ذلك فهي مجرد لمحة عن ريادة الأعمال، حيث تروي تفاصيل رحلتنا مع “رؤية”، منذ بداياتنا الأولى وإلى يومنا هذا، نستعرض فيها التحديات التي واجهناها والدروس التي تعلمناها. نشارككم قصتنا آملين أن نكون مصدر إلهام لرواد الأعمال القادمين، وأن تساعدهم تجربتنا في مواجهة ما قد يعترض طريقهم من تحديات.

مقدمة:

تُعد “رؤية” نموذجًا عجيبًا في عالم ريادة الأعمال، فهي مزيج من الطاقات الكامنة المتدفقة، وكأنها موجات قوية ومتعددة، أشبه بموجاتٍ قوية نشأت من معادن ظلّت مضغوطة في أعماق الأرض لزمنٍ طويل، يحمل كلٌّ من هذه المعادن خصائص فريدة تتداخل وتتناغم مع غيرها، لتصنع معًا تركيبة نادرة تمنح “رؤية” هويتها المتفرّدة وطابعها المميز.

 نعم، نحن نتحدث هنا عن عالم الأعمال، لكن من المهم أن ندرك أن هذا العالم غريب بعض الشيء، يحمل بين طياته توهم وتصورات قد لا تعكس  الحقيقة دائمًا. في خضم هذا الواقع المعقد، يبرز مفهوم الشراكة، كأحد أعظم  الابتكارات البشرية. فهو السبيل الذي تتطور من خلاله أفكار بسيطة إلى سلسلة من النقاشات والاجتماعات المطولة، لتتشكّل منها رؤية ورسالة واستراتيجية. ومن هذه الأسس، تُولد الخطط التجارية والتسويقية، وتوضع السياسات المالية والإدارية والقانونية، بذورًا صغيرة تُلقى وتُروى وتُرعى بعناية حتى تزدهر.

قد يكون من الصعب تَذكّرُ أنّ هذا الكيان التجاري الراسخ الذي نراه اليوم قد كان منشأه فكرة بسيطة لم يكن لها أي وجود مادي، ومع ذلك وظفنا فريقًا لإدارتها، واستأجرنا مساحة كنا نطلق عليها “مكتب شركتنا”، ثم صممنا شعار يمثّل هذه الفكرة ووضعناه على باب المكتب. وبالطبع كل من يؤسس عملًا تجاريًا يمر بهذه التفاصيل، سواء كانوا أفرادًا أو فريق من الشركاء. إنهم يخوضون ذات التجربة التي توصلهم إلى مكتب يديرون من خلاله أعمالهم، فقط يختلف الشعار الموضوع على الباب بين كل تجربة وأخرى. 

 

قد يتساءل المرء عن سبب إقدام الناس على تأسيس أعمالهم الخاصة. فمن المعروف أن الشركات الناشئة غالبًا ما تواجه مجموعة كبيرة من الاحتمالات والتحديات، حيث تشير أحدث الإحصاءات إلى أن ما يقارب 90٪ من الشركات الناشئة لا تستمر على المدى الطويل (Deane, 2024). تخيّل أنك تخوض هذه التجربة، وتستثمر أشهرًا أو حتى سنوات من العمل الجاد لبناء علامة تجارية تنبثق من فكرة شخصية، فتتحول تدريجيًا إلى كيان قانوني متكامل من عقد التأسيس ورخصة العمل إلى بطاقة التأسيس وتصريح التشغيل، ومع ذلك، تبقى فرص النجاح محدودة للغاية.

 

ولكي تتضح لك هذه الإحصاءات وما تعكسه من واقع الشركات الناشئة، نقدّم لك المثال التوضيحي التالي:

لنفترض أنه في بداية عام 2015، حصلت 1000 شركة جديدة على رخصة العمل. طبقًا لإحصاءات مكتب العمل الأمريكي(United States Bureau of Labor Statistics)، فإن 20% من هذه المشاريع تقريبًا سيواجه الإخفاق خلال عامين فقط من تأسيسها. وهكذا، مع انقضاء السنة الأولى، تتوقف 100 شركة عن العمل، وتستمر 900 شركة منها في أنشطتها. وفي نهاية السنة الثانية، ينخفض الرقم إلى 800 شركة بعد إغلاق 100 إضافية. وعند بلوغ عام 2019، أي السنة الخامسة، تكون نصف الشركات قد اختفت من الساحة، فيتبقى 500 شركة فقط. وبعد عقد كامل، أي في عام 2024، يرتفع عدد الشركات المتوقفة إلى 670 شركة، بينما تواصل 330 شركة نشاطها. وفي عام 2029، أي بعد 15 سنة من الانطلاق، يصل عدد الشركات المغلقة إلى 900 شركة. في خاتمة المطاف نجد أن 100 شركة فقط قد صمدت في هذه المنافسة.

 

تُرى إلى أي مدى يجب أن يكون المرء واهمًا لكي يقوم بهذه القفزة الخطرة وهو واثق من أن شركته الجديدة ستكون ضمن نسبة الـ 20% التي تتحدى الفشل؟

 

نحدثكم في هذا المقال عن تجربتنا خلال عقدٍ من الزمن، حيث أجرينا بعد مرور عشرة أعوام تقييمًا شاملًا لمسيرتنا، استعرضنا فيه ما تحقق من نجاحات وما واجهناه من إخفاقات، واستخلصنا الدروس والعبر التي تعلّمناها على امتداد هذه الرحلة، بهدف تجنّب المصير الذي يواجهه 67% من المشاريع الناشئة. نشارككم المبادئ التي قادتنا إلى النجاح، ونتناول بصراحة التحديات التي واجهناها والجروح والندوب التي أصابتنا وضرورة معالجتها والعناية بها. كما سنفتح نافذة على آمالنا وطموحاتنا للمستقبل وما نحلم بتحقيقه في المرحلة القادمة.

 

تجنّب مصير الـ 67%

إن تجنّب الفشل لا يُعدّ هدفًا يُحدَّد في بداية الطريق أو في أي مرحلة لاحقة، بل هو ثمرة جهودٍ متراكمة يبذلها المؤسسون بخبرتهم الواسعة وإصرارهم الحقيقي على خوض التجربة، وبسمعتهم المهنية وسماتهم الشخصية. غير أن العامل الأهم في ذلك هو القدرة على التخلّي عن الغرور وتجنّب تأثير “الأنا”. 

 

المبدأ الأول في ريادة الأعمال: 

حينما تؤسس عملا تجاريًا، استعن بمختصّي المجال

يتطلب إطلاق المشاريع التجارية، لا سيما في المجالات التقليدية مثل هذا المجال الذي نعمل فيه، وجود خبراء مخضرمين قادرين على تحقيق الانطلاقة الأولى وضمان استمرارية النجاح. وهذا يُشكّل المبدأ الأول للعمل.

 

لكن هل يعني ذلك أنه يجب على المؤسسين أن يمتلكوا كل مهارات إدارة الأعمال قبل تأسيس شركاتهم؟ ليس بالضرورة. إلا أنه من المهم، مع تقدمهم في مشروعهم، أن يكتسبوا معرفة أساسية تمكّنهم من إدارة أعمالهم بفعالية.

لقد استفدنا كثيرًا في تأسيس شركتنا وإدارة أعمالنا من كتاب أليكساندر أوستروالدر وإيف بيجنو Alexander Osterwalder & Yves Pigneur ابتكار نموذج العمل التجاري (The Business Model Generation). لقد مكنتنا أفكار هذا الكتاب من تعزيز فهمنا للركائز الأساسية التي نحتاجها لإدارة العمل وتطويره.

 

خلال الفترات الأولى لتأسيس مشروعنا “إلى الأمام”، بين عامي 2014 و2017، عملتُ مع المؤسِّسة مريم الدباغ على تنظيم ورش عمل في منزلنا ومنزل زينب الدباغ (ابنة عم مريم والتي تولّت لاحقًا خدمات العلاقات الإعلامية لدينا)، صممنا خلالها كل عنصر من نموذج العمل التجاري بدقة وعناية. كان مشروع “إلى الأمام” الانطلاقة التمهيدية لولادة “رؤية”،  فقد أسهم بشكل جوهري في إعداد السرديات وبناء المحتوى الإبداعي لعدد من المؤسسات في دولة الإمارات العربية المتحدة ومنطقة الخليج.

عندما وصلنا إلى هذه المرحلة، بدأت تظهر أمامنا متغيرات تجارية جديدة مثل آلية التسعير، وعرض المعلومات، وإدارة العمليات، وجودة تقديم الخدمات. ومع ذلك، لم يكن كل شيء مثاليًا. فمهما حاولتَ الوصول إلى الكمال في تنفيذ أعمالك، لن تتمكن من تحقيقه فعلًا. أقول ذلك بثقة تامة، لأنه بعد خمس سنوات من الآن، عندما تعود لتتأمل ما كنت تعتبره يومًا “عملًا مثاليًا”، ستشعر نحوه، على أقل تقدير، بشيء من الخجل.

 

المبدأ الثاني للعمل:

تتطلب ريادة الأعمال التجارية تفانيًا وجهدًا دؤوبًا 

أقول بصيغة ملطّفة، لقد انغمسنا تمامًا في أعمال تطوير الشركة، منذ انطلاقتها باسم “إلى الأمام”، والذي تغير في 2017 إلى “رؤية”. لقد أصبحت رؤية محور حياتنا، ظل تركيزنا منصبًّا على العمل فقط وتطوير الشركة. كنا نعمل حتى ننهك، فنأخذ قسطًا من الراحة لبضعة أيام، إذا حالفنا الحظ في ذلك، ثم تعود بنا الدوامة إلى حيث بدأنا. فإذا لم نكن نائمين، ستجدنا منهمكين في تطوير وتنمية الشركة، كنا نجسد المبدأ الثاني في عالم ريادة الأعمال: لا بد من الالتزام التام والتفاني خلال المراحل الأولى من تأسيس الشركة.

 

تتطلب ريادة الأعمال التزامًا يستهلك كل جانب من جوانب حياتك تقريبًا، إلى حدٍّ يلغي الخطوط الفاصلة بين حياتك الشخصية والمهنية. يرتكز نجاحك على قدرتك على تكريس كل لحظة متاحة لك لتنمية العمل واستقراره. لا يكفي أن تكون جادًا في عملك، بل يتوجب عليك الانغماس التام فيه،  فكل القرارات التي تصدرها، والخطوات التي تتخذها والأفكار التي تطورها لا بد أن تكون موجهة  لبناء الشركة، حتى عندما تكون بعيدًا عن العمل، يظل ذهنك مرتبطًا به.

 

الكثير من الجدران الصلبة والحواجز

المبالغ النقدية الشخصية –  تكاليف المعيشة تتعدى المدخول النقدي

 

عندما بدأنا مشروع ”إلى الأمام“، كانت تكاليف معيشتنا أعلى بكثير من إيرادات أعمالنا. لذا اضطررنا إلى اتخاذ قرار حاسم من أجل بقائنا والحفاظ على حظوظنا، وهو الانتقال إلى مدينة أقل تكلفة.

 

عادة ما يستغرق إنشاء الأعمال التجارية وقتًا طويلًا،  فالبشر بطبيعتهم ينفرون من المخاطر. وبطبيعة الحال ينطوي كل عمل جديد على حزمة من المخاطر العالية يجابهها كل صاحب عمل يتطلّع إلى الحصول على أفضل النتائج التي يمكن أن يحصل عليها لقاء أمواله المستثمرة (Blunk, 2024). وهنا يأتي دور المبدأ الأول الذي تحدثنا عنه آنفًا. 

 

استنادًا إلى معرفتنا الطويلة بالسوق، يمكن القول إن الاعتماد على شبكة العلاقات يساعد على تقديم أعمال ذات جودة عالية والحفاظ على سمعة جيدة، وهو ما يفتح الأبواب أمام تدفق فرص الأعمال في المراحل الأولى. ومع ذلك، حين لا يكفي هذا النجاح لتلبية احتياجات الحياة اليومية، يبدأ القلق بالتسلل، ويتحوّل التركيز من تطوير العمل وشغف الإبداع إلى مجرد السعي لتأمين لقمة العيش.

 

طلب مرتفع – سعة منخفضة (سعر منخفض مع جودة عالية ← حجز زائد ← إحباط)

عندما يرتفع الطلب على المنتجات أو الخدمات في ظل محدودية القدرات وانخفاض الأسعار المقدمة، مع المطالبة بجودة عالية، يتجاوز هذا الإمكانات المتاحة، مما يولّد شعورًا بالإحباط.

 

بحلول عام 2016، كنا قد وصلنا إلى شهرنا السادس من العمل، لذلك قررنا التوسع والدخول إلى سوق جديدة، وهي إدارة العلاقات العامة. كان ذلك عالم آخر، لم تكن لي دراية كافية به، لكن كان لمريم خبرة ومعرفة بالمجال فقد بدأت مسيرتها المهنية من هذا القطاع. واتباعًا للمبدأ الأول، بضرورة الاستعانة بخبراء في المجال الذي تنشئ فيه عملك التجاري، تحدثنا مع يُسر الدباغ (شقيقة مريم، أظنك قد خمنت ذلك!) للانضمام إلى شركتنا ”إلى الأمام“ و العمل وتأسيس قسم العلاقات العامة. وعلى الرغم من أن القرار بترك وظيفتها الحكومية الثابتة والمريحة للانضمام إلى هذا المشروع الجديد، الذي بدا آنذاك كأنه مشروع صغير يشبه الهواية، لم يكن سهلًا، فقد اتخذت يُسر هذه الخطوة بشجاعة وثقة، ومع إيمان كامل بإمكانيات المشروع، وانضمّت كشريك ثالث إلى مؤسستنا الوليدة “إلى الأمام”.

 

المبدأ الثالث للعمل:

حدد لنفسك راتبًا شهريًا

 

عندما تحولنا من “إلى الأمام” إلى “رؤية”، تركزت مساهمتي في الشركة على إعداد المقترحات والعمل المحاسبي ومتابعة العقود والفواتير والإيصالات. وقد حرصنا منذ البداية على أن يكون لكل منا راتبًا ثابتًا، لم نتعامل مع الحساب المصرفي للشركة كحساب شخصي. هنا يأتي مبدأ العمل الثالث: حدد راتبًا لك وللشركاء الآخرين. ينبغى أن يغطي هذا الراتب احتياجاتك الشهرية الأساسية وألّا يتجاوز 10% من القيمة التي تحصل عليها كشريك في الشركة. يمكن تقسيم هذه النسبة إلى 5% أو أقل من حيث الراتب الشهري، والباقي يؤخذ على شكل أرباح.

 


ينبغي أن يغطي هذا الراتب الاحتياجات الشهرية الأساسية فقط، وألا يتجاوز 10% من القيمة التي تضيفها كشريك في الشركة، ويمكنك أيضا احتساب 5% أو أقل كراتب شهري، ويُصرف الباقي على شكل أرباح عند تحقيقها. ويمكنك كذلك قياس الأمر من زاوية أخرى: إذا كنت ستوظف شخصًا للقيام بالمهام نفسها التي تؤديها أنت، فكم سيكون الراتب الذي ستدفعه له؟

إجابتك عن هذا السؤال ستمنحك تصورًا واقعيًا لمتوسط الرواتب السائدة في السوق. وفي الوقت الحالي، تُظهر التجربة أن مستويات الأجور في معظم الشركات الخاصة، سواء الناشئة أو القائمة، هي في  العادة أقل بكثير مما تقدمه الجهات الحكومية وشبه الحكومية والمؤسسات العامة.

 

يجب أن يشكّل الأسلوب الذي تحصل به على راتبك الشخصي في شركتك أولوية أساسية لضمان استقرار التدفق النقدي، والحفاظ على سجلات مالية منظمة، وتسهيل عمل المراجعين الماليين. بالنسبة لي، كان ذلك يعني الحصول على راتب شهري قدره 1,500 درهم إماراتي بصفتي شريكًا مؤسسًا أعمل بدوام جزئي.

 

أما عن مريم فقد كانت التجربة مختلفة بعض الشيء، فمع مرور الوقت، بدأت الطلبات تتزايد من شبكة معارفها في هذا المجال، وحرص العملاء على التعاون معها بشكل مستمر. كانت تسلّم مشروعًا تلو الآخر بوتيرة متسارعة، إلى أن وصلت “إلى الأمام” إلى مرحلة لم تعد فيها قادرة على تلبية الكمّ المتزايد من الطلبات أو الحفاظ على مستوى الجودة الذي عُرفت به. لم تعد ساعات اليوم تكفي لإنجاز كل المهام، فقد كانت مريم الشخص الوحيد الذي يمتلك الخبرة والمهارة الكفيلتين بضمان جودة العمل. وعندما حاول الشركاء الآخرون المساهمة في بعض المهام المتخصصة التي كانت تتولاها، بدأت شكاوى العملاء تتكرر، فكانت النتيجة ليالٍ طويلة من العمل المتأخر، وشعور متزايد بالإرهاق والإحباط.

 

هناك العديد من المفاهيم التجارية التي يجب أخذها في الاعتبار عندما يحتاج المؤسسون لتقييم ما إذا كان عملهم قابلًا للاستمرار أو لا. على سبيل المثال، ما هي تكلفة الخدمات المقدمة؟ المفترض أن تكون هذه التكلفة أقل من الأسعار التي نقدم بها منتجاتنا أو خدماتنا.

 

بالنسبة لشركتنا “إلى الأمام”، كانت البنية التحتية متوفّرة منذ البداية. استخدمنا منزلنا كمقر للعمل، واعتمدنا على الإنترنت وأجهزتنا الشخصية، فكان الوقت والجهد هما العنصران الرئيسيان في تكلفة تطوير كل صفحة من صفحات المحتوى الذي كنا نقدمه. وقد سمح لنا الهامش الإجمالي من الدخل بتغطية احتياجاتنا اليومية، وتجنّبنا في ذات الوقت تكاليف إضافية، مثل إيجار المكتب أو المواد المستخدمة في تقديم الخدمات فساعدنا ذلك في الحفاظ على تدفق نقدي إيجابي منذ الانطلاقة الأولى.


في تلك المرحلة، لم يكن صافي الربح أولوية قصوى، لكن بفضل مرونة هيكل أعمالنا، تمكّنا من الوصول إلى نقطة التعادل المالي خلال ستة أشهر فقط من بدء التشغيل. اكتشفنا من خلال المحاسبة الإدارية إمكانية الاستفادة من مفهومين تجاريين أساسيين لتقييم جدوى خطوط العمل قبل الشروع في الاستثمار، هما: هامش المساهمة وتكلفة الفرصة البديلة. كان لدينا خطان من الأعمال في تلك المرحلة: تطوير المحتوى وإدارة العلاقات العامة.

كان العمل في تطوير المحتوى يتطلب مزيجًا متقدمًا من المهارات اللغوية الرفيعة والخبرة الثقافية والفهم العميق للفنون والثقافة. كان التحدي الأكبر يتمثّل في إدراك العملاء لقيمة هذا العمل، إذ أن الكثيرين منهم كانوا يرون أنه مهمة بسيطة لا تستحق كلفة مرتفعة، بينما كانت الحقيقة عكس ذلك تمامًا. حاولنا مرارًا إقناعهم بأهمية الجودة والعمق في هذا النوع من المشاريع، لكن دون جدوى. حتى في الحالات التي كانوا يقبلون فيها بما نطرحه عليهم، كانوا يشترطون أن تُنفّذ أعمالهم بواسطة مستشار ذي خبرة عالية وهو ما يعني تكاليف باهظة وأن يستغرق العمل وقتًا أطول.

 

لقد دفعنا استيعابنا لمفهومَي هامش المساهمة وتكلفة الفرصة البديلة إلى البحث عن نموذج تسعير مبتكر يتيح لنا التحرر من معايير الصناعة التقليدية، ويوازن بين قيمة الخدمة والتكاليف المطلوبة لتنفيذها بكفاءة وجودة.

 

قيادة السفينة

قد يظن القارئ، بعد الاطلاع على الفقرات السابقة، أنني كنت أعمل في “رؤية” بدوام كامل. إلّا أن الواقع  كان غير ذلك، حيث يفرض تأسيس الشركات الناشئة على بعض الشركاء خلال المراحل الأولى الاحتفاظ بوظائف جانبية تضمن مصدر دخل ثابت، إلى أن تصل الشركة إلى مرحلة الاستقرار وتحقق عوائد كافية. وفي حالتي، فقد كنت أوازن خلال الفترة بين 2015 ومايو 2017، بين شغفي بالرياضة والتزامي تجاه شركتنا، فعملت كمدرّب في مركز فيت ريببلك للياقة البدنية، وهي مهنة قديمة ذات علاقة ببداياتي الأولى في مجال ريادة الأعمال. وبحلول عام 2017، كان الوقت قد حان لاتخاذ الخطوة الكبرى: أن أكرّس وقتي بالكامل لـ”رؤية”.


في تلك المرحلة، كانت “رؤية” تتعاون مع عدد من الشركات الصغيرة في إمارة الشارقة، انخرطتُ خلال تلك الفترة في تنفيذ المشاريع، ومتابعة العلاقات الحكومية، وإعداد المقترحات. كان مشروعنا الأكبر آنذاك هو إدارة الاتصالات الخاصة باحتفالات حكومة الشارقة باليوم الوطني، في نهاية عام 2017.

 

كنت دائما حريصًا على بناء أنظمة داخلية متكاملة لإدارة المشاريع والموارد البشرية وتطوير المقترحات. وبحلول عام 2015، أصبحت شركة “إلى الأمام” بيئة خالية من الأوراق، حيث قمنا باستخدام برامج سحابية ساعدت على تعزيز التواصل والعمل الجماعي بسلاسة وكفاءة في كلّ وظائفنا.

 

وبالطبع، كان هناك تدقيق الحسابات! فمع انتقالنا من “إلى الأمام” في إمارة أبوظبي إلى “رؤية للاستشارات” في إمارة الشارقة، بدأنا رحلتنا التي امتدت لـ 18 شهرًا، جمّعنا خلالها كشوف الحسابات المصرفية والإيصالات والفواتير، ونقلناها من النظام المحاسبي المعقّد الذي كنا نستخدمه إلى برنامج يتميز بسلاسة وفاعلية أكبر.


كما شرعنا في وضع نظام محاسبي داخلي، أسّسناه من الصفر، شمل تطوير مخطط الحسابات ووضع إجراءات تشغيل موحدة للموارد البشرية وإنشاء نظام أرشفة فعّال يتيح الوصول إلى المستندات بسهولة دون الحاجة للبحث الطويل أو السؤال عن مكان تواجدها.

 

لم يكن الطريق مرسومًا بالكامل، بل كل خطوة كانت تفتح أمامي بابًا لخطوة جديدة، حتى وجدت نفسي أقود أكبر مشروع خدمي في تاريخ شركتنا القصير. المدهش أن هذا المشروع لم يكن في مجال التواصل والاتصالات الذي بدأنا منه، بل في عالم التجارة الإلكترونية! حينها أدركت أن الوقت قد حان لأرفع مستوى أدائي وأتطور إلى المرحلة التالية. وهنا برز أمامي قدوتي في عالم الأعمال منذ سنوات طويلة، جاك ويلش. مرحبًا جاك!

 

ملاحظة: لقد حصلتُ على درجة الماجستير في إدارة الأعمال من معهد جاك ويلش للإدارة الذي صُنّف لعدة سنوات متتالية ضمن أفضل 10 برامج على مستوى العالم تمنح درجة الماجستير في إدارة الأعمال عبر الإنترنت. لقد استغرقني الأمر ثلاث سنوات لإكمال هذا البرنامج، يسعدني أن أبلغكم بأنني من خريجي معهد جاك ويلش للإدارة.

 

كيف أثرت المفاهيم التي تعلمتها في برنامج ماجستير إدارة الأعمال على تطوير رؤية؟

 

الدروس المستفادة 

من أبرز الدروس التي اكتسبتها خلال برنامج ماجستير إدارة الأعمال في معهد جاك ويلش كان معرفة قدراتي الشخصية في إدارة النزاعات. هذا الوعي الذاتي كان حاسمًا في تشكيل أسلوبي في التعامل مع الخلافات داخل الفريق، مما ساعدني على اتخاذ قرارات أكثر توازنًا وتحقيق تعاون أفضل بين أعضاء الفريق. لقد تعرفت عبر برنامج الدراسة أيضًا على بعض المفاهيم الأساسية التي أثرت في تفكيري بشكل عميق، على سبيل المثال:

 

عرفت أن الحصول على فريق متماسك وفعّال يبدأ بمعالجة الاختلالات الداخلية، وهذا ما تعلمته من كتاب “العوامل الخمسة لخلل العمل الجماعي” (The Five Dysfunctions of a Team) لباتريك لينسيوني الذي يركز على ضرورة معالجة النقاط الحرجة لتعزيز التعاون والثقة بين الأعضاء. قدّم كتاب “استراتيجيات الإدارة في الوقت المناسب” (The Five Dysfunctions of a Team) للكاتب بيتر نافارو رؤى قيّمة حول كيفية التعامل مع تقلبات الدورة الاقتصادية، من أبرزها أهمية حماية الكفاءات العالية خلال فترات الركود، وضرورة زيادة الإنفاق الرأسمالي في أوقات الانكماش استعدادًا لمرحلة الانتعاش الاقتصادي المقبلة. ولا يفوتني هنا الإشارة إلى أفكار لازلو بوك حول “الحكمة الجماعية” التي أوضحت لي قوة تنوع الآراء ودور الذكاء الجماعي في اتخاذ القرارات الصائبة.

 

وهناك أيضًا نهج جاك ويلش في إدارة الثقافة والأداء الذي استفدت منه كثيرًا في غرس ثقافتنا المؤسسية بالتركيز على النتائج، لا مجرد الإنجازات الفردية. كما طبقت أيضًا ما تعلمته من مهارات في تبسيط عملية التخطيط الاستراتيجي بالاعتماد على استراتيجية مختصرة تقوم على خمسة أسئلة بسيطة تجعل خطواتنا أكثر وضوحًا وتركيزًا، وقابلة للتطبيق على أرض الواقع.

 

كيف غيرت هذه الدروس نهجي في إدارة الأعمال واتخاذ القرارات الاستراتيجية؟

أول ما أدركته هو أنه لا توجد وصفة سحرية لإدارة الأعمال. فعلى عكس ما تصوّره بعض الكتب أو المقالات بأن منصب الرئيس التنفيذي يقتصر على نخبة محدودة من الناس يختلف الواقع عن ذلك، إذ أن  النجاح في إدارة أي شركة يتطلب تراكم الخبرات العملية، والالتزام المستمر بتطوير الذات والحفاظ على شغفك بالمجال الذي تعمل فيه، مع الإيمان العميق بفرص المستقبل.

بالطبع، هناك العديد من الاستراتيجيات والأدوات والنماذج التي يستخدمها الرؤساء التنفيذيون وفرقهم في الشركات الكبرى، إلا أن محاولة تطبيق كل ذلك في شركة صغيرة يمثل بلا شك تحديًا كبيرًا. ومع ذلك، طالما كان المدير حريصًا على التعلم المستمر، ومنفتحًا على تطوير ذاته، ومستمعًا جيدًا لمن حوله، سيكون قادرًا على قيادة شركته بنجاح نحو النمو والتميز.

وكما هو الحال مع معظم طلّاب ماجستير إدارة الأعمال، عشت تجربة امتدت بين 18 و24 شهرًا مليئة بالاكتشاف والتعلّم المستمر. تنقلت خلال هذه الرحلة، بين مفاهيم وأساليب متنوعة، بدءًا من دروس القيادة وصقل الحضور التنفيذي، ومرورًا بعالم التسويق، وإدارة سلاسل التوريد والعمليات، ووصولًا إلى التكنولوجيا وريادة الأعمال. 

لقد كان لبعض هذه المفاهيم أثر مباشر في مسيرة شركتنا الناشئة، ومن أبرزها إدراك أهمية التعامل مع الاختلاف البنّاء في وجهات النظر ، عبر إبداء الآراء وتوظيف الحدس في المواقف العملية. فالتزام الصمت أو الاكتفاء بمناقشة المخاوف خلف الكواليس من قِبل المدير وحده يقود حتمًا إلى بيئة عمل سامة. ولهذا، فإن الصراحة والشفافية في تقديم الملاحظات لابد منها  للحفاظ على ثقافة عمل صحية ومنتجة.

بالإضافة إلى ذلك، يسهم توقّع أعلى مستويات الجودة من الفريق، وتوضيح الأهداف المطلوبة منهم، مع الصراحة في تقديم الملاحظات، في ترسيخ ثقافة التميّز داخل الشركة وتعزيز روح المسؤولية المشتركة بين أعضائها.

تطبيق الدروس المستفادة في “رؤية”

ساهمت تجربتي في دراسة الماجستير في غرس ثقافة التعلّم المستمر في ثقافة الشركة وإدارتها. وكانت الاستراتيجيات والإجراءات التي طبقناها في الأوقات المناسبة ذات أثر بارز بالنسبة لنا، تمامًا كما أشار بيتر نافارو. فعلى سبيل المثال، شكّلت حماية الكفاءات عالية المهارة خلال فترات الركود، وانتقاء أفضل المواهب من سوق العمل، وزيادة النفقات الرأسمالية لتطوير منتجات مبتكرة وبناء قدرات جديدة استعدادًا لمرحلة الانتعاش، استراتيجيات أساسية ساعدتنا على تحقيق النمو بنسبة 500% حسب بيانات المؤشرات الأساسية التي حصلنا عليها خلال السنوات الأربع الماضية.

كما جرى توظيف الدروس الأخرى بطرق متعددة في “رؤية”، فعلى سبيل المثال، اعتمدنا استراتيجيات بنّاءة لإدارة النزاعات، فأسهم هذا في تعزيز ديناميكية فريق العمل وترسيخ ثقافة قائمة على الشفافية والمساءلة. 

بعد عقد من الزمان، إلى أين نتجه؟

الوضع الحالي لشركة “رؤية”
تُعد “رؤية” اليوم من الشركات الرائدة إقليميًا في مجال السرد الاستراتيجي والاتصال، باللغتين العربية والإنجليزية. وقد نجحت الشركة في تنفيذ مشاريع وطنية ودولية كبرى في كل من دولة الإمارات العربية المتحدة ودولة قطر والمملكة العربية السعودية واليابان.

لقد انطلقت “رؤية” من بدايات بسيطة، من غرفة معيشة في أحد المنازل، بفريق صغير تكوّن من شخصين فقط، لتصبح اليوم شركة متكاملة تعمل من مكاتب يبلغ مجموع مساحتها 3000 قدم مربع (بالمقارنة بالـ 200 متر مربع التي بدأنا بها)، وتضم أكثر من 25 موظفًا* بدوام كامل إلى جانب شبكة من المتعاقدين المؤهلين تأهيلًا عاليًا. كما تستخدم الشركة أحدث التقنيات في الأجهزة والبرمجيات لدعم عملياتها. ومنذ عام 2019، شرعت “رؤية” في تطبيق أنظمة فعّالة لإدارة المشاريع تضمن أقصى درجات الكفاءة، مع تحقيق استغلال كامل لمواردها البشرية بنسبة 100٪.

ومؤخرًا، أطلقت الشركة خدماتها في مجال الاتصال الرقمي، إلى جانب موقع إلكتروني محدّث ومدوّنة متخصصة وبودكاست قيد التطوير، فضلًا عن مجموعة من المنتجات والخدمات الجديدة التي ستُطرح تباعًا  وفي عام 2024، أطلقنا قسم البحوث والدراسات الذي نجح في تنفيذ مجموعة متنوعة من الدراسات الكمية والنوعية لخدمة عملائنا، مما عزز من القدرات التحليلية ورسّخ نهجنا الذي يقوم على البيانات والمعرفة.

الأهداف والرؤية المستقبلية
تتمثل رؤيتنا في توجيه قصتنا وامتلاكها. وتتمحور رسالتنا حول تجسيد الإحسان في كل ما نقوم به، بهدف تسعى رؤية إلى البحث في والكشف عن الممارسات الموروثة وتعزيز فهمنا لها لصياغة سرديات وطنية أصيلة. نسعى إلى تهيئة بيئة عمل تمكّن أفضل الكفاءات من أداء أفضل ما لديهم، من خلال سياسات عمل تتمحور حول الإنسان، ورواتب تنافسية، ومشروعات مثيرة وذات أثر ملموس.

نصائح لرواد الأعمال الجدد
بناءً على تجربتنا في “رؤية”، أنصح رواد الأعمال الطموحين بالحفاظ على حماسهم وشغفهم، مع الالتزام بالتعلّم والتطوير المستمرَّين، والتركيز من البداية على تكوين فرق عمل قوية تُبنى على مفاهيم الثقة والشفافية والتعاون، والانفتاح على الاختلافات البنّاءة التي تدفع نحو التحسين. تذكّروا، لا توجد وصفة سحرية للنجاح، يعتمد الأمر على اكتساب الخبرة وتكريس الجهود والالتزام والقدرة على التكيّف مع التغيرات المستمرة. بالثبات، وتقسيم العمل، والتحلّي بالتواضع، يمكنكم تجاوز التحديات الهائلة التي ستواجهكم وتحقيق تقدم ملموس في طريقكم نحو أهدافكم.

بالإضافة إلى ذلك، ما يُحدث أكبر فرق في مدى قدرة شركتكم على البقاء هو مدى مرونتكم وكفاءتكم في إدارة الموارد. أبقوا نفقاتكم منخفضة قدر الإمكان. على سبيل المثال، بدلًا من توظيف محاسب، استعينوا بشركة محاسبة موثوقة؛ وبدلًا من شراء أثاث مكتبي جديد، ابحثوا عن أثاث مستعمل. اتخذوا القرارات المكلفة فقط إذا كانت لها عوائد تجارية واضحة. كما يجب أن تعاملوا الوقت كنفقة؛ إذا كان بإمكانكم العمل من المنزل، فقوموا ذلك، أو استأجروا مكتبًا قريبًا منكم.

أخيرًا، الأخطاء جزء أساسي من ريادة الأعمال. صمموا عملكم بحيث يشمل التجربة، والمحاولة والخطأ، وعدم الكمال. ريادة الأعمال هي بحد ذاتها رحلة تعلم وتطوير مستمرة. إذا لم تتجنبوا مصير الـ 67% في أول مرة، فستكون فرصكم أفضل في المرة الثانية أو الثالثة أو الرابعة. إذا لم تستسلموا، سيكافئكم السوق بالنجاح. في النهاية، ستحققون أهدافكم!

عبد الرحمن سالم
عبد الرحمن سالم
عبد الرحمن خبير استراتيجي في الشؤون المالية والعمليات. يتمتع عبد الرحمن بخبرة واسعة في القطاعين العام والخاص، فضلًا عن معرفته العملية في مجال تنمية الأعمال والتطوير المؤسسي وتحسين الأداء. تشتمل مهام عبد الرحمن في رؤية على إدارة المرونة المالية، والشؤون القانونية، والعلاقات الحكومية، وإيجاد فرص التوسع لتعزيز استدامة الأعمال.

أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ثخذ ضظغ

ما نجده بين طيات الأسئلة

تأملات
عندما يمتزج العمل والأدب معًا
مشاركة عبر
مشاركة عبر
إلغاء

تعلمتُ في الجامعة، وقبل دخولي معترك الحياة العملية، أن “التفكير” هو مهارة قابلة للصقل والنقل. ولكن لم أرَ وقتها الصورة الكاملة لقدرة الكلمات والأفكار على استحضار  مهارات التفكير المستقل والنقد البناء، وكيف أن مهاراتي في فهم الأفكار والكلمات يمكنها أن تثبت لصاحب العمل مثلًا، أنني أمتلك الموهبة اللازمة لهذه الوظيفة. واليوم، وبعد قرابة عقدٍ من الزمان، أدركت أنه حقًا لم يمر يوم لم تكن فيه القدرة على القراءة والتفكير جوهرية في تعزيز مهاراتي المكتسبة. فها هي خبرتي تتمحور حول التفكير العميق من خلال القراءة، أو القراءة بسبب التفكير. أصبحت عملية فهم النصوص بعمق وكأنها حيلتي السرية، التي تزداد قيمتها بالنسبة لي مع مرور كل عام.

لنبسط الأمر قليلًا: كل جوانب التواصل والاتصال التي نستهلكها يوميًا، سواءً من وسائل الإعلام، أو المعلنين، أو السياسيين، أو القادة، تروي لنا قصةً ما. ويأتي هنا دورنا في التفكير النقدي بماهية هذه القصص، وتفكيكها وفهم أجزائها لتعزيز فهمٍ حقيقي وواقعي لحياتنا اليومية. ونتساءل، ما الذي يود المؤلف هنا إخبارنا؟ ما هي أسباب هذا الطرح المحدد في وقته ومكانه؟ ولم استخدم تلك الكلمات المعينة؟ وتصبح العملية الاستيعابية عبارةً عن أسئلة تقود إلى أخرى، تخلق بدورها سلسلة من الأفكار التي تشكل في النهاية صورة شاملة لفهمي الخاص.

وواقع الأمر أن تطوير قدراتكم لكي تصبحوا مفكرين نقديين يتطلب الوقت، خاصة إذا نشأتم في بيئة تثبط التفكير العميق. عندما بدأت أجتهد في تحسين قدرتي على التساؤل من خلال الأدب، والاستمتاع بتفسيراتي الشخصية، برزت عندي حينها ثقة جديدة في كيفية رؤيتي للعالم وتفسير تلك الرؤية، وقدرتي على اعتبار وجهات النظر الأخرى. أدركت أنني أستطيع أن أتعامل مع أي موقف، أو عمل فني، أو محادثة، بالبدء في طرح الأسئلة التي ستقودني إلى الإجابات الصحيحة. كما هو حالي مثلًا مع بيتٍ من الشعر، من دون أن أدري، كنت قد صقلت هذه المهارة المتمثلة في القدرة على تفكيك التعقيد أو البساطة إلى أسئلة، بحيث يمكن تحويل فكرة بسيطة إلى فكرة أكثر تعقيدًا، أو تبسيط فكرة معقدة.

وأحب أن أذكر هنا أحد مقالاتي المفضلة، “موت المؤلف” لرولان بارت، والذي يجادل فيها بأن معنى النص (وربما كل شيء) ليس ما قصده المؤلف، بل ما يفسره القارئ. إذا طبقنا هذا على إحدى قصائدي المفضلة كمثال، يمكننا تحليل هذه الأسطر الأربعة من “أغنية حب لـ ج. ألفريد بروفروك” للشاعر ت. س. إليوت:

 

“هل أجرؤ

أن أزعج الكون؟

في دقيقة هناك وقت

لاتخاذ قرارات وتعديلات ستغيرها دقيقة أخرى.”

أعتبر تحليل الشعر أو أي نوع من التواصل كرحلة تساؤل. عندما يقول الشاعر “هل أجرؤ”، فمن هو الأنا؟ وما حاجة “الجرأة”؟ هل هذا فعل ناتج عن الشجاعة أم التهور؟ استخدام كلمة “أزعج” تفتح أيضًا مجالًا واسعًا للتفسير. هل “الإزعاج” هو فعل مقصود ومحدد أم هو جزء من أزمة وجودية يشعر بها المتحدث؟ هل لـ “الإزعاج” جانب أخلاقي؟ هل يصارع المتحدث نفسه عمّا إن كان تسبيب “الإزعاج” فعلًا صائبًا أم خاطئًا؟ تبدو الأسئلة وكأنها بلا نهاية، ولكن التمرين سيمكّنكم من أن تتعاملوا مع كل موقف تواجهونه بتفكير نقدي ودقيق.

وبالإضافة إلى ذلك، ولقراءنا الأعزاء، أود كمترجمة بتصرف وبإذن وترحيبٍ من كاتبة المقال، أن أستشهد بشعر عربي يلهمني كثيرًا في هذا السياق، وهو للشاعر محمود درويش الذي قال في قصيدته “ربما”:

“ربما ما زلتُ حيًّا في مكانٍ ما وأعرفُ ما أريدُ …”

هذا السطر من درويش يتأمل في معاني استمرارية الوجود ومعرفة الأهداف الشخصية رغم كل الشكوك والتحديات التي تطرحها الحياة. وكما هو الحال مع إليوت، نجد أن درويش يتناول موضوع التساؤل الوجودي والمواجهة مع الذات، مع محاولة فهم دوافعه وأهدافه رغم عدم اليقين الذي يحيط به.

وتُكمل الكاتبة سردها:

في مكان العمل، كما هو الحال مع الشعر، تساعدني هذه المهارة المكتسبة على تفكيك التقارير أو الاستراتيجيات المعقدة، وتحليلها إلى أجزاء يمكن التعامل معها، في تحديد الثغرات واقتراح حلول قد لا تكون واضحة على الفور. كما تخدمني الكلمات في فهم الفروق الدقيقة في ملاحظات العملاء وتكييف نهجي لتلبية احتياجاتهم المحددة، أما رسم أوجه التشابه بين الموضوعات المختلفة فيعزز من قدرتي في العثور على المسار الأمثل للمضي قدمًا. في حالات اختلافات الرأي داخل الفريق، تساعدني تلك المهارة على الاستماع، وطرح الأسئلة العميقة، والتنقل عبر الأجواء الضبابية أحيانًا للعثور على حلول واضحة. وربما الأهم من ذلك، تساهم في تعزيز علاقاتي مع الفريق، سواء كان ذلك يتضمن العصف الذهني، أو تلقي/تقديم الملاحظات، أو استيعاب وجهات نظر الآخرين. ببساطة، هذه فوائد واضحة مرتبطة بالعمل نقلتها من تحليلاتي الأدبية.

أحد أجزائي المفضلة في تحليل النصوص هو إيجاد الروابط المخفية، مثلًا إذا قرأتُ سطرًا من الشعر أو النثر وبدأت في تفكيك النص، يمكنني في النهاية أن أبدأ بالمقارنة والعثور على خيوط من المعاني ترتبط بقطع نصية أخرى أو أعمال فنية. مدى الاحتمالات لا يحدده إلّا اتساع خيالكم، وليس له علاقة بالمعنى المقصود من المؤلف. كلما قمتم بذلك، زادت المقارنات التي يمكنكم إجراؤها، بغض النظر عن مدى غرابتها. يمكن لمقارنتكم أن تكون محددة، مثل مقارنة استخدام حرف العطف “و” بين قصيدتين، أو عامّة مثل مقارنة كيفية وصف مؤلفين مختلفين لمعنى الحب. هذا التمرين في إيجاد المعاني المختبئة وإضفاء الحياة على السرديات يضفي علينا لذة الحرية. بمجرد أن تسمح لعقلك بالتفكير بحرية وتتخلى عن “التفسيرات الصحيحة”، فإنك تحرر نفسك من القيود الذهنية المتعلقة بـ “التفسيرات الصحيحة” و”الطرق الصحيحة” في التفكير، مما يتيح عالمًا أوسع من الاحتمالات. هذه العملية مفيدة بشكل خاص لحل المشكلات، والعصف الذهني، أو للتفكير النقدي في مجالات مثل تقييم المخاطر، حيث تكون الأفكار غير التقليدية مرحّبًا بها بل مطلوبة.

وأدرك اليوم، أن الجهد الذي أقوم به بمنح المساحة المطلوبة لتفسيراتي الشخصية هو مسعى لتحقيق الذات. عندما أسمح لأفكاري بأن تتنفس، وأحترمها فوق ذلك بطرح الأسئلة وتحليلها، أعلم أنني أسمح لعقلي بممارسة قدرته على توسيع نطاق تفكيره. لا يكفيني أن أتعلم كيف أفكر؛ أريد أن أستمتع حقًا بهذه المغامرات الفكرية وأتقبل وجود كلٍّ منها.

واليوم، عندما أجلس في الاجتماعات، أو يتم تسليمي نصًا للتحرير، أو يُطلب مني تقديم ملاحظات على مفهوم معين – تدخل كل هذه المهارات “التفكيرية” في العمل. ممارسة طرح الأسئلة والسماح للأفكار بالنمو لتصبح مفاهيم قوية تتيح لي أن أكون مساهمًة جدية في المحادثات، وأن أتمكن من تحديد الفجوات التي قد لا يراها الآخرون. وأستطيع أيضًا الحسم في أفكاري والدفاع عنها بالضبط لأنني قد أخضعتها لعملية تساؤل دقيقة قبل أن أعبر عنها. والأهم من كل ذلك أنني اليوم أمتلك الموهبة الحقيقية في الاستماع والتعاطف واستيعاب وجهات نظر الآخرين، مما يفتح الباب للمزيد من الإبداع والخيال الذي سيواجه أفكاري ويحولها إلى آراء أكثر عمقًا.

في شركة رؤية، ترتكز رؤيتنا على مفهوم “الإحسان”، وهي فكرة الإتقان التي تشمل جميع جوانب حياتنا، سواء كان ذلك في كيفية تعاملنا مع الناس، أو العمل الذي نقدمه، أو حتى في كيفية اعتنائنا بأنفسنا. في النهاية، أجد أن الطريقة التي أستطيع بها استحضار قيمة “الإحسان” إلى العمل تكمن في تحقيق إمكانيات “الذات” من خلال عملية التفكير التي تعلمتها وصقلتها على مر السنين. بالنسبة لي، الأدب هو مفتاح كل ذلك.

دينا راشد
دينا راشد
تتمتع دينا بمهارات مميزة جمعتها من خبرتها المهنية وفترة عملها التي تجاوزت العشر سنوات، فهي تمزج بين كتابة السرديات باللغة الإنجليزية وإجراء البحوث وإعداد الاستراتيجيات اللغوية، خلال فترة عملها في رؤية شاركت دينا في إعداد مجموعة من الاستراتيجيات والسرديات المميزة لعملائها، مثل ميزا وجناح الإمارات العربية المتحدة في إكسبو والأوركسترا الوطنية الإماراتية.   لمعرفة المزيد عن عمل دينا في جناح الإمارات العربية المتحدة، اقرأوا دراسة الحالة.

رؤية في سطور

تأملات
بداياتنا
مشاركة عبر
مشاركة عبر
إلغاء

النشأة

لم يكن من السهولة أن يتم التفكير بجمع جهود أشخاصٍ ينتمون لعائلةٍ واحدة تعمل لدى جهات عمل مختلفة وفي أماكن جغرافية متباعدة، لتكوين نواة لوحدة تنظيمية (شركة او مؤسسة) متخصصة في المجال الذي يعمل فيه هؤلاء الأشخاص. كما لم يكن

بالسهولة تخيّل دخول سوق مفتوح يشهد منافسة قوية ومواجهة المتطلبات الضرورية لولادة هذه الوحدة التنظيمية والمتمثلة بتوفير رأس المال المطلوب وإيجاد الموقع المناسب واستكمال الإجراءات الرسمية اللازمة لتأسيس هذه الوحدة التنظيمية التي استقر الرأي على جعلها شركة لدى مختلف الدوائر والمؤسسات ذات العلاقة .

الأمر بدأ وكأنه عملية تحدي يقابلها ثقة كبيرة في القدرات والخبرات التي يمتلكها أفراد هذه العائلة وإصرارهم الكبير على تحقيق النجاح ومواجهة أي صعوبات أو تحديات قد تظهر أمامهم. 

وهكذا بدأنا

 بعد التوكل على الله سبحانه وتعالى، استكملنا كافة المتطلبات الرسمية لإشهار الشركة التي حملت اسم ( رؤية ) لكون هذا الاسم ينسجم مع رؤية المؤسسين في الوصول إلى الأهداف التي يطمحون لتحقيقها، وقمنا باستئجار مكتب صغير أجرينا عليه عملية صيانة بسيطة وتوفير أثاث مكتبي بسيط تم تركيبه بجهود ذاتية، وبدأت الشركة مشوارها الأولي مع عدد محدود من العملاء لتنفيذ مشروعات صغيرة ومحددة بوقت معين وكذلك تغطية فعاليات وقتية لمناسبات معينة .

 لم نكن نهدف إلى تحقيق عوائد مادية بقدر حرصنا على إثبات وجودنا وإبراز الإمكانيات الكبيرة والمهارات المتعددة التي كان يتمتع بها المؤسسون الذين انضم إليهم أول فتاتين من الكادر الوظيفي للشركة وهما زينب عزام ودارين السراج، حيث كان لجهودهما المتميزة وحماسهم الكبير الأثر الواضح في دعم مسيرة الشركة وهي تضع خطواتها الاولى على طريق النجاح

من اليسار إلى اليمين: وسام الدباغ، زينب الدباغ، مريم الدباغ، عبد الرحمن سالم، ويسر الدباغ
كيف أصبحنا

وكما لاتخلو أي مسيرة للنجاح من صعاب وتحديات ترافق هذه المسيرة، فقد واجهنا مثل تلك التحديات بكثير من الصبر والحكمة وتمكنا ليس بتجاوزها فقط بل وجعلناها نقطة انطلاق جديدة وخبرة مكتسبة ساعدتنا في تأمين مسيرة نجاحنا من أي معوقات مماثلة قد تواجهنا في المستقبل.

واستمرت الشركة في شق طريقها باتجاه تحقيق الأهداف المرسومة لها بتوفيق من الله سبحانه وتعالى ومن ثم بالجهود الاستثنائية والمخلصة التي بات يقدمها نخبة من الأكاديميين والباحثين والمتخصصين الذين انضموا إلى الشركة التي اتسعت وتنوعت نشاطاتها نتيجة اكتسابها رضا وقناعة عملائها وأصبحت تنافس على المستوى المحلي والإقليمي وتطمح إلى المنافسة على مستويات جديدة. 

رؤية بدأت مشوارها بأربعة افراد من عائلة واحدة، واليوم تحولت رؤية إلى عائلة واحدة مكونة من فسيفساء جميلة قوامها 28 عنصرًا من الباحثين والمختصين يحمل بعضهم شهادات جامعية عُليا ومن 13 جنسية مختلفة.*

من اليسار إلى اليمين، من الأعلى إلى الأسفل: زينب الدباغ، مريم سامي، تمارا الدباغ، سارة سيد، مِريم بوسعد، إيناس الحملي، يسر الدباغ، دارين السراج، أرفع صدّيقي، ومحمد البيك
الخلاصة

كل نجاح لابد أن يكون مصحوبًا برؤية واضحة، وخبرات جيدة، وعزيمة راسخة، وإيمان قوي بتحقيق النجاح، هذه رؤية التي تواصل مسيرتها الناجحة بخطى ثابتة وتسعد بالعمل مع كل من يبحث عن عطاءً ثريًا وخدمات متميزة.

رؤية في خدمتكم دومًا.

وسام الدباغ
وسام الدباغ
خبير مخضرم ذو خلفية في الإدارة والتخطيط الاستراتيجي. تولى وسام مناصب وزارية وإدارية في بغداد قبل أن يتولى وظائف مختلفة في دولة الإمارات العربية المتحدة منذ عام 1979. اشتهر وسام الدباغ بمهاراته في الكتابة الاستراتيجية والسرديات، وقد ساهم إتقانه للغة العربية في إنجاح العديد من المشاريع الوطنية التحويلية.

إعادة تعريف سياسات العمل من خلال منظور نسوي

أعمال
تضمين إجازة الإجهاض في سياسات الموارد البشرية
مشاركة عبر
مشاركة عبر
إلغاء

في إحدى حلقات بودكاست رؤية القادم – ترقبوا إصداره الوشيك! – نسلط الضوء أنا ومريم الدباغ على الشركات الصغيرة وريادتها في مجال سياسات العمل النسوية وممارسات الموارد البشرية المعنية بالعاملين. تطرقنا في الحلقة إلى مختلف التفاصيل التي تجعل من سياسات الموارد البشرية أكثر “نسوية”، ومن المستفيد منها – والتي سنعلم سويًا أنها مفيدة للجميع – وكيف يمكن للشركة أن تجد نفسها في موقف يُمكّنها من دمج هذه السياسات مع ثقافتها الخاصة.

وهنا يمكننا الجزم بأن الشركات الصغيرة قد تمتاز بنوعٍ من الحرية تمكّنها من تنفيذ التغييرات بشكل أسهل وأسرع،  وذلك لأفقية هيكلها التنظيمي وخلوها من البيروقراطيات المؤسسية، مما يتيح لها فرصة مواكبة احتياجات موظفيها والسوق دون اتخاذ إجراءات معقدة أو تعطيل لعملية صنع القرار.

جوهر سياسات العمل النسوية هو تحقيق المساواة بين الجنسين، فهي تهدف إلى إزالة العوائق التي تقف في طريق تقدم النساء في مسيرتهن المهنية وخلق بيئة عمل شاملة يحصل فيها الجميع على فرص متساوية، وعادةً ما تدافع هذه السياسات عن أمور مثل المساواة في الأجور والإجازة الوالدية وساعات العمل المرنة.

وفي حوارنا حول أهمية الإجازة الوالدية، تطرقنا إلى إجازة الأمومة وإجازة الأبوة، والتي بدورها تُظهر أهمية تمكين الوالدين من الحصول على الوقت والمساحة المطلوبة لاستقبال طفل جديد، كما تحدثنا عن إجازة الإجهاض، أو كما أحب أن أسميها، إجازة فقد الحمل.

رغم كونها تجربة مؤلمة وعميقة بالنسبة للكثير، إلا أننا لا نتحدث بشكل كافي عنها. ربما لم أمرّ بها بنفسي، لكنني رأيت كيف أثرت على أحبائي ممن مروا بتلك التجربة المؤلمة، كما أن عدد المقربات مني ممن تعرضوا للإجهاض زرعت فيّ الخوف الشديد من أن يحدث هذا الأمر معي، حتى وإن كان هذا الخوف غير مبرر، إلا أنه يبقيني مستيقظةً طوال الليل. لقد رأيت العديد من النساء يقعن ضحيةً لهذه التجربة المؤلمة، مما جعلني أدرك مدى هشاشة الحياة وكيف يمكن لفقد الحمل أن يؤثر علينا عاطفيًا.

 إنه تذكيرٌ واضح بالتحديات والشكوك التي قد يواجهها الكثير من النساء (والرجال) في طريقهم نحو الأمومة والأبوة.

ولهذا السبب أؤمن بضرورة وجود سياسات نسوية حقيقية لتشريع بنود إجازة فقد الحمل، ومن خلال هذه المدونة، نستعرض المعايير الحالية والأسباب التي تجعلنا في حاجة إلى هذا النوع الخاص من الإجازات المدفوعة.

آليات الإبلاغ عن حالات الإجهاض حول العالم معقدة، ولكن على الرغم من التفاوتات في المسميات والعوائق الثقافية التي تعرقل تلك الإحصائيات، إلا أن الإحصائيات المتاحة تظهر أن حوالي 10-20% من حالات الحمل المعروفة عالميًا تنتهي بالإجهاض، وتُوصِم المجتمعات كل من يتحدث بشكل علني عن فقد الحمل، مما يضع الأفراد في عزلةٍ صامتة طوال هذه الرحلة، خاصةً في مكان العمل.

إجازة فقد الحمل تعد نوعًا خاصًا من الإجازات، حيث تمزج بين إجازة الأمومة وإجازة الحداد؛ فالأولى تُؤخذ عند ولادة الطفل، والثانية عند فقد شخص ذو صلة قرابة، أما إجازة فقد الحمل تأخذ بعين الاعتبار الإجهاض كحادث ذو طبيعة مختلفة ومغايرة يحتاج إلى إجازة مخصصة للتعافي تختلف عن الإجازة المرضية، وتركز على توفير الدعم والتعاطف اللازم لكل من يمرون بتلك التجربة.

هذه الإجازة بطابعها الخاص لا توفر فقط المساحة اللازمة للتعافي وإنما هي تضامن وتعاطف مع تلك التجربة المؤلمة التي تمر بها العائلات.

إذًا، ما هي القوانين المتوفرة الآن؟

يغطي قانون العمل في دولة الإمارات إجازة الأمومة والأبوة المدفوعة، بالإضافة إلى إجازة الأمومة الممتدة بسبب مضاعفات الحمل والولادة أو مرض الأم أو الطفل بعد الولادة، ومع ذلك، يبدو أن القانون لا يتناول حالات الإجهاض أو إجازة الأبوة الإضافية خارج الإجازة المعتادة للآباء التي يمكن أخذها في الأشهر الستة الأولى من ولادة الطفل. حتى يومنا هذا هناك ثلاث دول فقط لديها تشريعات تتناول حالات الإجهاض بشكل خاص، وهي نيوزيلندا، والهند، والفلبين.

يحق للموظفات في نيوزيلندا والهند الحصول على إجازة إجهاض مدفوعة مدتها ستة أسابيع، بينما تطبق الفلبين إجازة متساوية ومدفوعة لمدة شهرين للأمومة والإجهاض وإنهاء الحمل الطارئ، وعلى النقيض، فلا تملك الدول الأخرى سياسات صريحة حول إجازة الإجهاض، ما يترك القرار عادةً للحكومات أو سياسة كل شركة على حدة.

بصرف النظر عن سياسات الحكومات، لماذا ينبغي على الشركات تطبيق إجازة فقد الحمل؟ سؤال ممتاز…

بالنسبة للشركات، فإن توفير إجازة فقد الحمل له العديد من المزايا، فالتواجد بجوار الموظفين خلال تلك الأوقات الصعبة يرفع من الروح المعنوية ويزيد من ولاء الموظفين للشركة كما يجعل مكان العمل أكثر شمولًا وترحيبًا بالجميع على اختلاف ثقافاتهم.

وبالنسبة للأشخاص المهتمين بالنتائج المباشرة، فهي خطوة استراتيجية لتمييز مكان العمل واستقطاب أفضل المواهب، لأنكم بالفعل تلتزمون بأفضل الممارسات الإنسانية.  

لكن صياغة السياسات الشاملة عملية تتطلب تخطيطًا دقيقًا واعتبارات متأنية، فمن الضروري وضع إرشادات واضحة تشمل الرجال والنساء بالتساوي، مع الاعتراف بالحِمل العاطفي والنفسي الذي يقع تحت وطأته الرجال عند فقد الحمل، علاوة على ذلك، من المهم تقديم تدريب شامل لمتخصصي الموارد البشرية لضمان التعامل مع الحالات بأقصى درجات السرية والحساسية.

تطبيق سياسات إجازة فقد الحمل من قبل الشركات هو مؤشر على فهمها للتعقيدات المرتبطة بهذه التجربة، وتظهر هذه السياسات التزاماً بالصحة النفسية والجسدية للموظفين خلال الأوقات الصعبة، مما يعكس القيم التي تؤمن بها الشركة، كما أن تبني مثل هذه السياسات يرسل رسالة قوية لكل الموظفين بأن مكان العمل يهتم بحياتهم الشخصية والعاطفية، وهو أمر ضروري لبناء ثقافة عمل إيجابية ومستدامة.

ومن الممكن أن تواجه الشركة معارضة لتطبيق إجازة فقد الحمل، خاصةً ممن يقلقون بشأن تعطيل سير العمل أو تكبد تكاليف إضافية، ومع ذلك، فهو من المهم تلبية احتياجات النساء أثناء تلك الفترة وإعطائهنّ وقتًا للشفاء والتعافي بعد الإجهاض، وكذلك، فإن الرجال بدورهم يحتاجون إلى وقت لتقديم الدعم والرعاية لزوجاتهم.

وتبقى المسألة الوحيدة هي كيفية تسجيل الشركة لهذا الغياب في نظام الموارد البشرية الخاص بها.

في النهاية، يمكننا اعتبار إجازة فقد الحمل، في جوهرها، جزءًا أساسيًا من تشكيل بيئات عمل داعمة وشاملة، فهي عنصر أساسي من سياسات العمل النسوية واسعة النطاق التي تُعنى بمكان العمل، ومن خلال إدراك التحديات المصاحبة لفقد الحمل، يمكن للشركات تعزيز بيئات يشعر فيها الجميع بالتقدير والاحترام والدعم.

آن الأوان للشركات أن تتبنى السياسات النسوية وتمهد الطريق لخلق بيئات عمل أكثر تعاطفًا وشمولًا.

مِريم بوسعد
مِريم بوسعد
خبيرة متمرسة في مجال العمليات واستراتيجيات الموارد البشرية. تتمتع مريم بخبرات نوعية ومؤثرة جمعتها خلال فترة عملها التي تزيد عن عشر سنوات في هذا المجال. تتبع مريم أسلوبًا مبتكرًا في تطوير السياسات التي تركز على الأفراد وتعطي الأولوية للتنوع والشمولية والتعاون. وبصفتها المدير العام لشركة رؤية، تتولى مريم وضع سياسات التفكير المستقبلي التي تنتهجها الشركة وتشرف على الأنشطة التي تحافظ على استمرارية العمل وتقديم المشورة في المشاريع الرئيسية المختلفة التي تتولاها الشركة.

عيش وخبز وملح وسكر

أعمال
الأصالة في عالم الأعمال
مشاركة عبر
مشاركة عبر
إلغاء

لم يكن من السهل علينا أبدًا أن نتخذ الخطوة الأولى في بناء شركةٍ متخصصة صغيرة في سوقٍ كبير ومخيف إلى حدٍ ما قبل عشرة أعوام. وعندما أفكر شخصيًا بالتحديات التي واجهتنا والتي لا زلنا نواجهها أميل إلى أن أجعل هذه المقالة سردية وقصصية عن بداياتنا وتحدياتنا ونجاحاتنا وإخفاقاتنا في محاولةٍ مني ربما لأسرد قصتنا بصفتنا أفرادًا من عائلة واحدة تحاول النجاح في سوق العمل دون التفريط بثقافتنا وأواصرنا الأسرية.

ولكني وعدت محررة هذه المدونة أن ألتزم بموعد التسليم (الذي تأخرت أكثر من أسبوع عنه) وأن أكتب عن موضوع آداب العمل وأخلاقياته اليوم، وأترك رغبتي في سرد كل شيء إلى وقتٍ آخر، أو حلقة من حلقات البودكاست الذي سنطلقه قريبًا.

بسم الله نبدأ.

أتذكر ذاك الاجتماع في مدينة أبوظبي، وتحديدًا في ميناء زايد، عندما شرع شريكي في الشركة والحياة، عبدالرحمن سالم، إلى طلب كميات كبيرة من اللقيمات والتمور والشاي بأنواعه إلى موقع الاجتماع. كان الاجتماع يضم أكثر من ثلاثين شخصًا من عدة شركات للعمل على أحد أهم مشاريع الدولة آنذاك. لم تكن رؤية هي المستضيفة بل دُعيت مع باقي الشركات للقدوم والمشاركة في جلسة العصف الذهني، لكننا فضلنا، كما ألفنا في عهدنا السابق مع أهلنا وجيراننا والأصدقاء، ألّا ندخل تلك القاعة إلّا وفي أيدينا طبق أو اثنان. فوجئنا يومها بأن زميلتنا رنا حجازي كانت قد بادرت أيضًا من قرارة نفسها بتحضير صينية جميلة من المكسرات والفواكه المجففة لإحضارها إلى الاجتماع.

 

 أذكر في ذلك اليوم ابتسامات فريق العمل الحكومي الذي لم يستغرب تلك البادرة لكنه قدّرها كثيرًا، وأذكر أيضًا تعجّب المستشار الأجنبي من صواني الطعام التي دخلت معنا، والتي حرصنا على أن نرتبّها على طاولة الاجتماع قبل الشروع في تقديم أنفسنا بصفتنا مستشارين أيضًا من دولة الإمارات.

 

ومن هنا طرحنا هذا التساؤل عن بروتوكولات العمل، وأخلاقياته، وما إذا كنّا قد استطعنا بالفعل تأصيل آداب العمل لتعكس ثقافتنا الغنية وكرم ضيافتنا. وإن أردنا تعريف آداب العمل على أنها مجموعة قواعد وتوقعات غير مكتوبة (أو مكتوبة في المدونات الأجنبية) تحكم التفاعلات الاجتماعية في البيئة المهنية، فكيف يمكننا إعادة تعريف آداب العمل هنا لتتناسب مع ثقافة منطقتنا ودولتنا وتراثها؟

 

ما أهمية “العيش والخبز والملح والسكر” في عالم الأعمال؟ عندما أجريت بحثًا  في هذا المجال، وأعترف أن بحثي لم يتجاوز محركات البحث الإلكترونية، وجدت الكثير من النظريات الأجنبية التي تشجع على فهم السياق الثقافي الذي تتم فيه المشاريع واحترامه. على سبيل المثال، فإن نظرية الأبعاد الثقافية عند هوفستيد تُسلط الضوء على أهمية فهم قيم المكان ومعايير الثقافة في التواصل والعمل مع أفراد تلك الثقافة. وبالمثل، تؤكد نظرية الأبعاد الثقافية عند ترومبينارس على أهمية فهم طرق تعامل الثقافات المختلفة مع التواصل والعلاقات واتخاذ القرارات في بيئة العمل؛ إذ أن فهم هذه الاختلافات الثقافية يسمح لنا بتكييف ممارساتنا في التواصل والأعمال لتصبح أكثر فعالية في سياق ثقافي معين

وعلى الرغم من زخم هذه “النظريات” التي تتناول سطحيًا أهمية التأصيل الثقافي لكننا وبرأيي المتواضع لا زلنا نرتبك عند التفكير بكيفية مزج تقاليدنا الغنية بآداب العمل الباردة نوعًا ما.

 

فعندما نبادر بكتابة الرسائل الإلكترونية نجد أنفسنا نترجم العبارة المملة ذاتها ” نأمل أن تصلكم هذه الرسالة وأنتم بخير” بدلًا من الترحيب والتهليل وبدء الرسالة بالسلام والسؤال.

 

ونجد أنفسنا أيضًا نسارع في بدء سير الاجتماع وأجندته دون بدء الحوار بكسرة خبز ورشفة قهوة تكسر معها رتابة اللقاء وتعقيدات جدول أعمال اليوم. وغالبًا ما يُصمم شكل الاجتماع هرميًا دون الرجوع إلى جوهر اجتماعاتنا وتراث حواراتنا وهو المساواة والشمولية كما تعوّد أسلافنا في مجالسهم العامرة. كما نتردد أحيانًا بالتعبير عن مشاعرنا أثناء الاجتماع حول مواضيعه أو أي مواضيع أخرى تشغل بالنا مثل السياسة والثقافة ورمضان وآخر ما قرأناه وكأننا نتنصّل ممّا يميّز ثقافتنا الشرقية وهي الإنسانية والعاطفة.

 

وفي رؤية، نشجع فريق العمل لدينا على إعادة تعريف آداب العمل كل يوم، رغبةً منا وحاجة لدينا لتفكيك الهيمنة الثقافية الأخرى على ثقافة العمل هنا. فنحن وُلدنا ورُبّينا في دولة ومنطقة تحدّت الأعراف العالمية بنجاحٍ، جوهرها تراث غني وأصالة عميقة لا تتنازل عنها. ففي كل اجتماعاتنا نحرص على أن نكسر الخبز ونشرب الشاي اللذيذ ونسأل عن أحوالنا وأحوال أهلنا وجيراننا قبل الشروع في العمل. كما نراجع أنفسنا عندما نصف عملًا ما بأنه غير “بروفيشينال” إدراكًا منّا أن المهنية المقصودة قد تكون مخلّفات هيمنة ثقافية غريبة عنّا. كما نصرّ على أن نصدّر هذه الآداب لزملائنا وشركائنا من دولٍ أخرى، حتى وإن استغربوا في البداية تصرفاتنا، فنحن قومُ “تهادوا تحابوا” وإن تقاسمنا رغيف الخبز، تشاركنا معه احترام ومودة وإخلاص.

 

في رؤية، لا نتردد أن نكون أنفسنا، ونفعل ذلك كل يومٍ بإصرار.

مريم وسام الدباغ
مريم وسام الدباغ
تتمتع مريم بخبرة تزيد عن 25 عامًا في مجال استشارات التواصل وإعداد السرديات الاستراتيجية. أنجزت مريم العديد من المشاريع المؤثرة في مجال التواصل والسرد الاستراتيجي للمؤسسات الحكومية والثقافية، مثل مؤسسة سلامة بنت حمدان، ومؤتمر الأطراف الثامن والعشرين (COP28)، وجناح الإمارات العربية المتحدة في إكسبو، وعيد الاتحاد. نُشرت وعُرضت لمريم العديد من الأعمال في منشورات ومعارض رائدة في جميع أنحاء دولة الإمارات العربية المتحدة وخارجها. لمعرفة المزيد عن أعمال مريم الدباغ في جناح الإمارات العربية المتحدة، اقرأوا دراسة الحالة الخاصة بنا.

نحن شركة استشارات، فلمَ التدوين؟

مقال رأي

أسبابنا للتدوين
مشاركة عبر
مشاركة عبر
إلغاء

 

يقدّم العالم الافتراضي الواسع من حولنا أنواعًا مختلفة من المحتوى، فلم قد ترغبون في قراءة ما نقدمه لكم في هذه المدوّنة؟

أميل هنا إلى حثّكم على تجنب إمضاء وقتكم في قراءة ما لا يهمكم، ولكنني من ناحية أخرى، ليس بوسعي إنكار رغبتي في جعل هذه المدونة مساحة حيوية تجذب القراء إليها.

في واقع الأمر، إن أحد أهم الأسباب لإطلاقنا هذه المدونة هو إشباع شغفنا للكتابة والإبداع. وبلا شك يتصدر ذلك قائمة أولوياتنا، قبل أي رغبة أخرى لدينا أو محاولة للحصول على مشاركات واسعة.

ولا أقصد بذلك أن تتوقفوا عن قراءة مدونتنا، على العكس من ذلك، نحن نشجعكم على متابعتنا والتمتع بالحيّز الصغير الذي أنشأناه على شبكة الإنترنت، ليكون مساحةً مريحةً لقادة الفكر، لذا يسعدنا أن تقرأوا ما نقدمه من محتوى. وانطلاقًا من كوننا في الأصل شركة استشارية، فإننا نتقيد في الغالب بخيارات العملاء وما يطلبونه في المحتوى الذي نصنعه لهم.

قد نقترح على العميل موضوعًا ما، أو نبرة محددة للنص الذي نكتبه له، أو مبادئ توجيهية معينة للكتابة، إلّا أنّنا في نهاية المطاف نكتب له المحتوى الذي يود قراءته، مع الحفاظ على مصالحه بطبيعة الحال.

لقد ظلت مريم الدباغ، إحدى الشركاء المؤسسين لـشركة “رؤية”، تحلم على مدى أعوام طويلة بإطلاق مدوّنة تحمل اسم الشركة. لكن تأخرَ تحقيق هذا الحلم بسبب صِغَر الشركة خلال هذه الفترات، والتركيز على أولويات تسييرها وإدارتها وتغطية النفقات. الآن بحمد الله كبرت رؤية وتوسعت بشكلٍ كبير، فخلال العام الماضي وحده نجحت الشركة في مضاعفة عدد موظفيها، وأصبحت تتعاقد على تولّي مشاريع أكبر حجمًا وأعلى ربحًا (قولوا ما شاء الله، أو امسكوا الخشب، أو أيّ حماية أخرى تؤمنون بها!). الآن، ومع زيادة الموارد التي تحققها الشركة، أصبح بمقدور مريم تحقيق حلمها، وتحويله إلى واقعٍ يساعد فيه ويدعمه الفريق بأكمله.   

لقد شعرت بفخر وسعادة كبيرين عندما كلفتني مريم بقيادة العمل في مسار إنشاء المدوّنة، وكانت حتّى قد حدثتني عن تلك المهمة منذ مقابلة عملي الأولى. بدأت عملي مع رؤية مستشارةً للعملاء، كان دوري في هذه الوظيفة تحديًا غامرًا تغلغل في خلاياي ودفعني لتجديد إحساسي بكياني، كما هو حال كل شخص حين يخوض تجربة جديدة. أمّا كتابة وتحرير النصوص القصيرة التي تتناول الواقع، فهما كاللحاف الخفيف، أتدثّر به للدفء والحماية. إنني أثمّن كثيرًا هذه الفرصة التي أُتيحت لي لإيجاد التوازنٍ المطلوب بين عملي مع العملاء وبين الكتابة الإبداعية. وما يزيد هذه الفرصة قيمةً هو أنني أحققها مع رؤية.

تتألف رؤية من أفراد يتمتعون بفكر متميز ورغبة جامحة في مشاركة المعارف التي يتميزون بها مع الآخرين. وقد تعودنا على الحوار الصريح المتدفق، الذي يبث النشاط في أروقة الشركة، ويساعد على تكوين الأفكار البنّاءة، إذ تؤمن رؤية بأن تبادل المعرفة هو ميّزة لها وواجب عليها، على حدٍ سواء، فبِه تنمو المجتمعات وتزدهر.

أما على صعيد المنفعة التي ستعود على الشركة عبر هذا العمل، فإن هذه المدوّنات تعمل كحلقة وصلٍ بين قرّاءها وكُتّابها، وهو ما يعزز الروابط الإنسانية بين الطرفين. فعندما ننشر محتوىً ممهورًا باسم واحدٍ منّا، فنحن بذلك نمدّ يد التعارف إلى العملاء المحتملين ليتسنّى لهم التعرف على جزء من شخصيات كتّابنا وطريقة تفكيرهم، مما يعني أن عملاءنا لن يكونوا على جهلٍ كاملٍ بأفراد شركتنا الذين يتعاملون معهم. ولأننا نفخر أيّما فخر بثقافة شركتنا، فإننا نحرص على مشاركتها مع كل عميل لدينا وكل زائر. وها نحن اليوم نطمح إلى التعريف بهذه الثقافة ونشرها عبر هذه المدوّنة لتصل إلى جمهورنا في أوسع نطاق ممكن.

إن كنت قد واصلت القراءة حتى هذه النقطة، فهذه دلالة على نجاحي في إثارة فضولك. ولتعلم بأننا كلنا شوق لاستهلال هذا المسار الجديد في رحلة رؤية، لتعريفكم بثمار عقول فريق الشركة وبنات أفكاره. وأملي أن تشاركونا بهجة هذه الرحلة الجديدة، وأن تنتفعوا بتجاربها.

من ”الشرائح“ إلى ”المخرجات“

تأملات
فك تشفير "لغة الاستشارات"
مشاركة عبر
مشاركة عبر
إلغاء

باعتبار دينا راشد واسكندر بن أحمد عضوين من فريق السرد الاستراتيجي في شركة رؤية، فهما يفكران بحذافير اللغة والمفردات بشكل يومي. بالنسبة لكلاهما، كانت تجربة العمل في رؤية أول احتكاك بعالم الاستشارات، واكتشفا مع مرور الوقت أن هناك كمًّا هائلًا من العبارات المتداولة التي لم يسمعا بها من قبل. ومن هنا انطلقت فكرة إعداد قائمة بهذه العبارات وإجراء محادثة صريحة حول اللغة وتأثيرها وتجاربهما الشخصية معها.

ملاحظة: تم ترجمة هذه المحادثة من اللغة الإنجليزية.

دينا راشد: حسنًا إذًا، لقد حضّرنا أنا وأنت قائمةً من العبارات والمفردات التي سمعناها من زملائنا وأقراننا، وسميناها “لغة الاستشارات”، ثم قررنا أن نتفكّر ونتناقش بها. أريد أن أبدأ بهذا السؤال: كيف تظنّ بدأت ظاهرة “لغة الاستشارات”؟

اسكندر بن أحمد: نعم، أظنّ أنّه من الطبيعي استخدام كلمات محددة ومخصصة للتعبير عن الأنظمة الاعتيادية، مثلًا، الجراح أو الطبيب قد يسمّي الكدمة “تورّم سببه صدمة”، ومن هذا المنظور، يمكن القول أنّ هناك حاجة تولّد هذه اللغة.

دينا راشد: لقد قمت بالبحث عن الموضوع، ووجدت أنّ شركات الاستشارات المهمة كانت تستخدم هذه العبارات في منشوراتها وتقاريرها وما إلى ذلك، فانتشرت العبارات وأصبحت جزءًا من اللغة التي يستخدمها المستشارون و”روّاد الأعمال” يوميًا. وكما قلت، هدفها دقة الحديث. ولكنّني أشعر أنّها ليست دائمًا مواتية للنجاح، وقد وجدت أنّ الكثير من الناس يعبّرون على مواقع المنتديات عن عدم ارتياحهم باستخدام هذه اللغة وعن قلقهم أن يستخدموها في حياتهم اليومية دون قصد. ما هي برأيك فائدة استخدام المصطلحات المهنية هذه؟

اسكندر بن أحمد: حسنًا، نواجه الآن سؤالًا مهمًا. هل تعتبر لغة الاستشارات أساسية عند التحدث بين مستشار وآخر، أم بين مستشار وعميل؟ إن كان الحديث بين مستشارَين، فقد تكون اللغة عاملًا مهمًّا في تحقيق التفاهم وكما يقولون، ألّاينمينت” أي المواءمة. أمّا بالنسبة للعلاقة بين المستشار والعميل، حيث يشعر العميل بالارتياح والثقة مع المستشار، أجد أنّ من الممكن أن تحدث لغة الاستشارات نتائج عكسية، فقد تسبّب التباعد وتزعزع الثقة، وقدّ يفكّر العميل: “هل يتحدّث المستشار بشكل صادق أم أنّه يتلاعب بالكلمات فحسب؟”

دينا راشد: أجل، هذا صحيح! كان أحد العوامل التي وجدتها عن سبب استخدام هذه اللغة أنها تسمح للمستشار بصياغة كلماته على شكلٍ أكثر تأديبًا، فهي دائمًا تموّه التعابير الأكثر صراحةً أو “فجًّا” مثلًا.

اسكندر بن أحمد: الحديث بدبلوماسية.

دينا راشد: لنتخيّل لو كنت تنشئ شركة ترجمة فورية، وقمت بتعيين شركة استشارات لإعداد خطّة اتصال، فيأتونك ويقولون شيئًا من قبيل: “نحن في خضم تحضير شرائح عن الإلهامات المصغرة”. كيف ستكون ردة فعلك؟

اسكندر بن أحمد: سأكون متوترًا وقد أتوجّس من طريقة العمل.

دينا راشد: هل كنت ستشعر أنّ حديثهم مبني فعلًا على معرفة وخبرة؟

اسكندر بن أحمد: جزء منّي قد يقول: “هم الخبراء، فلا داعي للقلق”. أليس كذلك؟ ولكنني سأكون أكثر ارتياحًا لو استخدموا الكلام الواضح البسيط، عربيًا كان أم إنجليزيًا. ومع ذلك، أعتقد أن مزيجًا صحيًا من كليهما قد يكون الحل الأمثل، حيث أنّني سأستفيد من تعلّم مصطلحات المهنة حتى لو كنت من خارجها. ما رأيك أنت بالموضوع؟

دينا راشد: بصراحة، لو عيّنت شركة استشارات واستخدموا مصطلحات لا أفهمها لتقديم بعض المفاهيم لي، فإنّني سأشكّ بفعاليّتهم. ولكنّ الأمر مثير للاهتمام لأن سببي الأساسي لاستخدام لغة الاستشارات هو أن أمنع الناس من التقليل من شأني، أو أن أعزّز شعوري بالثقة. عدا عن ذلك، فلا أراها فعّالة بالضرورة، ولا أستخدمها عندما أتكلّم على طبيعتي، ولذلك أجد عندي بعض الـ“بوشباك” أو المقاومة لتبّني هذه اللغة بشكل كامل. وهذا يقودني إلى سؤالي التالي: هل تتمنى لو حدّثك أحدهم عن هذا الموضوع عندما بدأت بالعمل الاستشاري؟

اسكندر بن أحمد: لا أظنّ ذلك، فهذا جزءٌ من تجربة التعلّم، وبصفتي شخصًا مهتمًّا باللغات، فقد وجدت الموضوع مسلّيًا.

دينا راشد: بالنسبة لي، كنت بالتأكيد أفضّل المزيد من التوضيح، لأنّني عندما بدأت العمل، كان يربكني حتّى استخدام كلمة “ديك” أو “شرائح” بدل “بريزينتيشن” أو “عرض”. كنت فقط أمثّل أنّني أفهم ما يقصده الناس وهم يتحدثون. لكن أتوقع أن الناس الذين نعمل معهم، بما أنّهم يستعملون هذه اللغة منذ فترة طويلة كجزء من عملهم اليومي، لهم نظرة مختلفة عن الموضوع.

اسكندر بن أحمد: صحيح، أو من الممكن أنّهم يفكّرون بنفس الطريقة ولكنهم يشعرون أنّ مكان العمل ليس المكان المناسب لمشاركة آرائهم، أليس كذلك؟

دينا راشد: هذه نظرة ذكية. حسنًا، لأختبر معرفتك، لقد حضّرت قائمة من الكلمات والعبارات الشائعة ولكن من الممكن أنّها لم تمرّ عليك. أوّل عبارة هي “أون ذا بيتش” بمعنى “على الشاطئ”.

اسكندر بن أحمد: يعني أن تؤجّل أو توقف شيئًا ما لفترة معيّنة، صحيح؟ مثل قول “لقد فكرنا بفعل شيءٍ ما السنة الماضية، ولكنّه على الشاطئ من ذلك الحين”.

دينا راشد: ليس تمامًا. سأعطيك مثالًا: “إنّ سكندر على الشاطئ لهذا الشهر”.

اسكندر بن أحمد: إنّه يتّخذ دورًا ثانويًا، أو لا يشارك بفعاليّة لمدّة هذا الشهر.

دينا راشد: صحيح! أي إنّه في إجازة أو لا يستقبل العملاء الآن. هناك عبارة أخرى لها علاقة بالمياه، وهي “بويلينج ذا أوشن” أو “غلي المحيط”. تعجبني هذه العبارة.

اسكندر بن أحمد: أن تكون طموحًا بشكل زائد، وكأنك تحاول أن تغلي المحيط؟

دينا راشد: أنت في الاتجاه الصحيح.

اسكندر بن أحمد: تحقيق المستحيل؟

دينا راشد: هذا التفسير منطقي جدًا مع أنه غير صحيح، ولذلك أشعر أنّ هذه اللغة كلّها غير دقيقة. على أي حال، إليك مثال: “لا تغلِ المحيط لتعطني الرقم المحدد الصحيح، بل أعطني التقدير فقط”.

اسكندر بن أحمد: لا تفكّر بشكل زائد، مثلًا؟ لا تُجهد نفسك أكثر من اللازم.

دينا راشد: نعم، لقد حزرتها! حسنًا، لقد سمعنا في اجتماعاتنا “بيينغ أغنوستيك” أو “أن تكون لاأدريًا” عن شيٍ ما، وسمعنا “باركنغ لوت” أو “موقف السيارات”، وكذلك “سبايسي وورريز” أو “هموم متوترة”. إّلا أن العبارة المفضّلة لدي قد تكوندوبل كليك” أو “النقر المزدوج”. لم نسمع هذه العبارة من قبل بشكل مباشر ولكنّني أرجو أن تمرّ عليّ يومًا ما. هل يمكنك تخمين ما تعنيه هذه العبارة؟

اسكندر بن أحمد: هذه عبارة مضحكة. حقيقةً، لا أعرف ما تعنيه.

دينا راشد: إليك مثال: “هل لنا أن نتوقف قليلًا ونقوم بالنقر المزدوج على هذه النقطة؟” هي عبارة غريبة للغاية، ولكنها رائعة لأنّها مجرّدة من الشاعرية، فهي فقط عن النقر المزدوج. لذلك أحبّها.

اسكندر بن أحمد: هي أشبه بنوع من اللغة مختلف بشكل جذري، لذا أتساءل إن كانت لهذه العبارات نفس التأثير في اللغات غير الإنجليزية.

دينا راشد: هل وجدت أحدًا يستخدم لغة الاستشارات باللغة العربية؟

اسكندر بن أحمد: لا، ليس بنفس الطريقة، إلّا أنّ لدينا الكثير من الأقوال المأثورة التي تشكّل إحدى أفضل الطرق لإيصال المعنى المطلوب وإرساء التفاهم بشكل فعّال. على سبيل المثال هذه الآية القرآنية التي نستخدمها على الدوام،  يقول تعالى: “وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم”؛ ففي كثير من الأحيان نواجه نتائج تخالف رغباتنا، لنكتشف لاحقًا أن تلك اللحظات كانت تخفي لنا فرصًا تفوق توقعاتنا.

دينا راشد: هذه رسالة مهمّة وتتوافق مع عمل الاستشارات. من الممكن أن تكون لغة الاستشارات ظاهرة محدودة باللغة الإنجليزية، وأتوقّع أنّ متكلّمي اللغات الأوروبية الأخرى يدخلون نفس العبارات الإنجليزية مع لغتهم، فقد يقولون مثلًا “سيركل باك” أو “لنعود لهذه النقطة” بنفس طريقة اللفظ الإنجليزية.

اسكندر بن أحمد: باللغة الفرنسية، يستعيرون دائمًا العبارات الإنجليزية مثل “تيم بيلدينغ” أو “بناء الفريق” و“ستارت أب” أو “شركة ناشئة”. أتعتقدين أنّ على الشخص مثلًا أن يذهب إلى مدرسة ما لتعلّم طريقة الكلام هذه؟

دينا راشد: يوجد موقع إلكتروني يعتبر بمثابة معجم للّغات الغريبة، ولكنّ المثير للاهتمام أنّني أحيانًا لا أفهم المعنى حتّى بعد قراءة التفسير.

اسكندر بن أحمد: معظم الفهم يتكوّن مع تكرار التعرّض لهذه اللغة وتعلّم استخدام مصطلحاتها.

دينا راشد: أجل، بالتأكيد. في ختام حديثنا، لديّ سؤالٌ أخير: أتريد متابعة عادتنا في مشاركة هذه المصطلحات كلّما مرّت علينا؟

اسكندر بن أحمد: يسعدني ذلك! فهي تعطي منظورًا مختلفًا للتعلّم عن مجال عملنا، وأعتبرها بمثابة نوع من الوعي. لقد كانت تجربة تعليمية ممتعة بالنسبة لي.

دينا راشد: لقد ساعدني هذا الحديث على تقبّل الشكّ بالنفس الذي أشعر به أحيانًا وتحويله إلى فرصة للتعلّم. كما أن مجرد الاعتراف بوجود هذه الظاهرة كان مفيدًا أيضًا، فأدركت أنني لست الوحيدة التي تجد هذا الأمر محيّرًا ومثيرًا للاهتمام في نفس الوقت. وآمل أن تساعد هذه المدوّنة الآخرين على الشعور بذلك أيضًا.

دينا راشد
دينا راشد
تتمتع دينا بمهارات مميزة جمعتها من خبرتها المهنية وفترة عملها التي تجاوزت العشر سنوات، فهي تمزج بين كتابة السرديات باللغة الإنجليزية وإجراء البحوث وإعداد الاستراتيجيات اللغوية، خلال فترة عملها في رؤية شاركت دينا في إعداد مجموعة من الاستراتيجيات والسرديات المميزة لعملائها، مثل ميزا وجناح الإمارات العربية المتحدة في إكسبو والأوركسترا الوطنية الإماراتية.   لمعرفة المزيد عن عمل دينا في جناح الإمارات العربية المتحدة، اقرأوا دراسة الحالة.

من الإرهاق إلى السكينة

متفرقات
تحقيق التوازن بين العمل والحياة وحب الذات
مشاركة عبر
مشاركة عبر
إلغاء

هل سبق لك الشعور بالإرهاق الجسدي، النفسي، والعاطفي، إلى حدّ يسلبك رغبة التحرك أو فعل أي شيء يتطلب جرعة إضافية من الطاقة؟ قد تكون حالة الإرهاق هي السبب. الإرهاق هو ظاهرة شائعة جدًا في بيئات العمل السريعة. إنّ الاعتقاد بأن العالم سينهار لو أخذت استراحة قصيرة من العمل، هو حالة ذهنية لا تعكس الواقع، ومهمّتي اليوم أن أشرح لك لماذا يحدث الإرهاق وكيف يمكن التعافي منه لإيجاد الأمل في نهاية المطاف.

عندما تصل إلى مرحلة الإرهاق، قد تتذكر فجأة أيام الإجازة المتاحة لك، ولكنّ دوامة الضغوط والمهام اليومية تُشعرك بأنّك لا تستطيع حتى الجلوس لاختيار أسبوع مناسب لإجازة العمل.

لا يقتصر  التأثير السلبي للإرهاق على الصحة والعافية – بل قد يكون سببًا يفسر الصداع والأرق الذي يصيبك – مما يؤثر على مستوى إنتاجيتك في العمل بشكل ملحوظ. لا أحد يرغب بالعمل مع زميل بائس ينجز الكثير ولكن بدون أيّ طاقة إيجابية.

كيف يحدث الإرهاق؟ يبدأ الأمر عندما تصبح مدمنًا على إثبات قدرتك على تحمل كافة الأعباء بمفردك، ويصبح العمل حتى ساعات متأخرة من الليل أمرًا طبيعيًّا. يتفاقم الإرهاق كلّما انغمست أكثر في نمط حياة ركيزته العمل فقط، عندما تعتقد أنك الوحيد القادر على إنجاز جميع مهامّك المتزايدة.

كيف تخرج من هذه الحالة إذًا؟ الخطوة الأولى لمكافحة الإرهاق هي تغيير عقليتك واعتماد عادات صحية أكثر في روتينك اليومي. إذا كنت تعمل من المنزل، حاول ألّا تبدأ يومك بتفقّد هاتفك أو متابعة وسائل التواصل الاجتماعي. انهض من السرير، وتناول إفطارك ببطء، واذهب في نزهة قصيرة لمدة 15 دقيقة لتستمتع بالهواء النقي والمناظر الطبيعية.

الخطوة التالية هي وضع الحدود. من الصعب جدًّا تعلّم هذه المهارة، لذا ستحتاج إلى بعض الوقت لإتقانها. وضع الحدود لا يقتصر فقط على قول كلمة “لا”؛ بل يشمل أيضًا تحديد ساعات عملك وطرق تواصل واضحة مع زملائك، وتفويض المهام، وطلب المساعدة لتقليل الحمل عليك، وحتى تحديد الوقت الذي تقضيه باستخدام التكنولوجيا. يمكن للجلوس أمام الشاشة لساعات طويلة أن يسبب الضرر للدماغ، العينين، الجسم، والصحة النفسية، فيجب عدم الاستهانة بالموضوع. كلّ هذه الخطوات البسيطة ستساعدك على منح الأولويّة لصحتك وعافيتك وعدم السماح للإرهاق بالتسلل إلى داخلك.

بمجرد أن تتحول عقليتك من الاعتقاد بأن واجبك أن تكون متاحًا دائمًا للعمل والعملاء والزملاء، إلى الاهتمام بنفسك أوّلًا، سترى قيمة هذا التغيير وتأثيره، ليس عليك فقط بل على كلّ من حولك.

الآن، نصل إلى نقطة هامة تتعلق بـ”الآخرين من حولك”، وهنا يأتي دور شبكة الدعم. ألقِ نظرة جيدة على من حولك وابحث عن الأشخاص الذين يهتمون بك حقًا ويسعدهم رؤيتك ناجحًا وعلى أفضل حال. ابحث عن الأشخاص الذين يمدّونك بالطاقة الإيجابية ويدعمونك عند الحاجة. ستلاحظ أن دائرتك الاجتماعية ستتضاءل تدريجيًا إلى أن يبقى الأشخاص الذين يشكّلون النظام الداعم المناسب لك، أولئك الذين يظهرون لك أفضل ما لديك، يتحدثون إليك مشجعين ومحفزين، ذاك الحديث الذي لم تكن تظن أنك تحتاج إليه.

بمجرد أن تبني دائرة مجتمعية متينة يمكنك أن تبدأ في عملية تنقية الطاقة والهالة التي حولك. هناك العديد من الطرق التي يمكن أن تساعدك في تحقيق الاستقرار في الطاقة المحيطة بك وتطهير هالتك من التأثيرات السلبية التي تواجهها يوميًا. في الحقيقة، لا يمكن لأحد أن يشعر بالسعادة طوال الوقت، ولكن يمكنك أن تكون راضيًا، ممتنًا، وفي حالة من السكينة. فكّر بحالة السكينة التي ترغب في تحقيقها. أوّل وأبسط خطوة للوصول إليها هو الاتصال بالطبيعة، لذلك، اخرج إلى الهواء الطلق، اخلع حذاءك، وتلمّس بقدميك الحافيتين العشب أو الرمل أو الماء. اجلس على الأرض، والمسها بيديك، تنفس بعمق وازفر ببطء، استمتع باللحظة وأفرغ ذهنك. ركّز على الألوان من حولك، وعلى كيفية تنوع درجات لون البحر الأزرق، وعلى صوت الأمواج المتلاطمة على الصخور.

أغمض عينيك.

الخطوة التالية هي تعلّم التأمل. هناك الكثير من المصادر المتاحة على الإنترنت التي يمكنك الإطلاع عليها لتتعلم طريقة القيام بذلك، لكن من المهم أن تؤمن بهذه العملية لتتمكن من فصل عقلك عن كل الفوضى المحيطة بك. ركّز على الطريقة التي تتنفس بها وحدد المشاعر السلبية التي ترغب في إطلاقها أثناء التأمل. إضافةً إلى التأمل، هناك عملية تُسمى “التبخير”، وهي حرق المريمية وتمريرها حولك وحول مساحتك. يمكنك اتخاذ هذه الخطوة الإضافية بتمريرها حول منزلك لأنها تُطلق الطاقة الراكدة.

 

آخر خطوة وأهمّها هي تخصيص وقت لنفسك وممارسة التأكيدات الإيجابية. اجعل من العناية بالذات عادةً تنشط هرمونات السعادة في دماغك. سواءً كان ذلك بإمضاء الوقت مع أحد أحبابك، أو طلب السوشي ومشاهدة برنامجك المفضل على التلفاز، أو السباحة ليلًا، أو الاستماع إلى الموسيقى بصوت عالٍ أثناء القيادة، أو حتى الرسم، أو القراءة أو كتابة يومياتك، كلها أمثلة على كيفية تخصيص وقت لنفسك وإبعاد الإرهاق عنك.

 

مثلما يسهم تخصيص الوقت لنفسك في تعزيز ثقتك، تلعب التأكيدات الإيجابية أيضًا دورًا كبيرًا في ذلك، وسينعكس هذا على  أدائك في العمل. عندما تكون واثقًا بنفسك، يتعزز تقديرك الذاتي وتزيد كفاءتك في العمل. وعندما تقدم أداءً أفضل، ستجد أنّ ثقتك تسمح لك بالمساومة على المهام الإضافية غير الملحة في قائمة مهامك، مما يمنحك الوقت لالتقاط أنفاسك. قد تبدو التأكيدات الإيجابية سخيفة للبعض، لكن الإيمان بها يساعد على نجاحها. أجل، ليس من السهل الإيمان بالتحدّث مع نفسك كلّما نظرت في المرآة، ولكن اقتناع عقلك يترسّخ مع كلّ تكرار. هذه الخطوات البسيطة تقوّي إحساسك بقيمتك الذاتية، ولا تنسَ أنّك أنت من يشكّل نقطة البداية. أنت تدين لنفسك بشعور الراحة والقيمة، ولا تدين بذلك لأي أحد آخر. في نهاية المطاف، يعود الأمر إليك أنت فقط.

 

لقد استعرضت معك بعض الطرق التي يمكنك من خلالها تجنب الإرهاق. الممارسة مفتاح الإتقان، حيث أنّ منع الإرهاق هو رحلة مستمرة تتطلّب جهدًا وتفانيًا لأجل تحقيق التوازن بين العمل والحياة وحب الذات. بمجرد أن تعرف كيف تحدد بداية مسارك نحو الإرهاق، ستصبح قادرًا على معرفة أين ومتى عليك التوقف وسحب نفسك منه. كل خطوة تقود إلى أخرى لذا تعلم أن تحتفل بنجاحاتك، مهما كانت صغيرة. وستدرك وقتها أهمية منح الأولوية لنفسك وتحقيق حالة السكينة التي نحتاجها جميعًا في حياتنا.

مريم سامي
مريم سامي
تتمتّع مريم بخبرة تمتد لأكثر من 12 عامًا في مجال الاتصال داخل دولة الإمارات العربية المتحدة، طوّرت خلالها مزيجًا متوازنًا من مهارات التفكير الاستراتيجي والسرد القصصي والإبداع، جعلها متمكنة في صياغة الروايات المؤثرة التي تدعم حضور العلامات التجارية وتُبرز هويتها. تؤدي مريم دورًا محوريًا في شركة "رؤية"، يتمثل في قيادة وتنفيذ مشاريع اتصال متكاملة لعدد من أبرز العملاء، من بينهم أكاديمية أبوظبي للضيافة – لي روش، وميزا، وجناح الإمارات في إكسبو. لمعرفة المزيد عن عمل مريم في فعالية رعاية صحية، اقرأوا دراسة الحالة الخاصة بنا.