تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رؤية للاستشارات

EN
AR

تجنّب مصير الـ 67%

أعمال
رحلة "رؤية" ونصائح للشركات الناشئة
مشاركة عبر
مشاركة عبر
إلغاء

تنويه:

قد تتطلب قراءة هذه المقالة وقتًا أطول من المعتاد، ومع ذلك فهي مجرد لمحة عن ريادة الأعمال، حيث تروي تفاصيل رحلتنا مع “رؤية”، منذ بداياتنا الأولى وإلى يومنا هذا، نستعرض فيها التحديات التي واجهناها والدروس التي تعلمناها. نشارككم قصتنا آملين أن نكون مصدر إلهام لرواد الأعمال القادمين، وأن تساعدهم تجربتنا في مواجهة ما قد يعترض طريقهم من تحديات.

مقدمة:

تُعد “رؤية” نموذجًا عجيبًا في عالم ريادة الأعمال، فهي مزيج من الطاقات الكامنة المتدفقة، وكأنها موجات قوية ومتعددة، أشبه بموجاتٍ قوية نشأت من معادن ظلّت مضغوطة في أعماق الأرض لزمنٍ طويل، يحمل كلٌّ من هذه المعادن خصائص فريدة تتداخل وتتناغم مع غيرها، لتصنع معًا تركيبة نادرة تمنح “رؤية” هويتها المتفرّدة وطابعها المميز.

 نعم، نحن نتحدث هنا عن عالم الأعمال، لكن من المهم أن ندرك أن هذا العالم غريب بعض الشيء، يحمل بين طياته توهم وتصورات قد لا تعكس  الحقيقة دائمًا. في خضم هذا الواقع المعقد، يبرز مفهوم الشراكة، كأحد أعظم  الابتكارات البشرية. فهو السبيل الذي تتطور من خلاله أفكار بسيطة إلى سلسلة من النقاشات والاجتماعات المطولة، لتتشكّل منها رؤية ورسالة واستراتيجية. ومن هذه الأسس، تُولد الخطط التجارية والتسويقية، وتوضع السياسات المالية والإدارية والقانونية، بذورًا صغيرة تُلقى وتُروى وتُرعى بعناية حتى تزدهر.

قد يكون من الصعب تَذكّرُ أنّ هذا الكيان التجاري الراسخ الذي نراه اليوم قد كان منشأه فكرة بسيطة لم يكن لها أي وجود مادي، ومع ذلك وظفنا فريقًا لإدارتها، واستأجرنا مساحة كنا نطلق عليها “مكتب شركتنا”، ثم صممنا شعار يمثّل هذه الفكرة ووضعناه على باب المكتب. وبالطبع كل من يؤسس عملًا تجاريًا يمر بهذه التفاصيل، سواء كانوا أفرادًا أو فريق من الشركاء. إنهم يخوضون ذات التجربة التي توصلهم إلى مكتب يديرون من خلاله أعمالهم، فقط يختلف الشعار الموضوع على الباب بين كل تجربة وأخرى. 

 

قد يتساءل المرء عن سبب إقدام الناس على تأسيس أعمالهم الخاصة. فمن المعروف أن الشركات الناشئة غالبًا ما تواجه مجموعة كبيرة من الاحتمالات والتحديات، حيث تشير أحدث الإحصاءات إلى أن ما يقارب 90٪ من الشركات الناشئة لا تستمر على المدى الطويل (Deane, 2024). تخيّل أنك تخوض هذه التجربة، وتستثمر أشهرًا أو حتى سنوات من العمل الجاد لبناء علامة تجارية تنبثق من فكرة شخصية، فتتحول تدريجيًا إلى كيان قانوني متكامل من عقد التأسيس ورخصة العمل إلى بطاقة التأسيس وتصريح التشغيل، ومع ذلك، تبقى فرص النجاح محدودة للغاية.

 

ولكي تتضح لك هذه الإحصاءات وما تعكسه من واقع الشركات الناشئة، نقدّم لك المثال التوضيحي التالي:

لنفترض أنه في بداية عام 2015، حصلت 1000 شركة جديدة على رخصة العمل. طبقًا لإحصاءات مكتب العمل الأمريكي(United States Bureau of Labor Statistics)، فإن 20% من هذه المشاريع تقريبًا سيواجه الإخفاق خلال عامين فقط من تأسيسها. وهكذا، مع انقضاء السنة الأولى، تتوقف 100 شركة عن العمل، وتستمر 900 شركة منها في أنشطتها. وفي نهاية السنة الثانية، ينخفض الرقم إلى 800 شركة بعد إغلاق 100 إضافية. وعند بلوغ عام 2019، أي السنة الخامسة، تكون نصف الشركات قد اختفت من الساحة، فيتبقى 500 شركة فقط. وبعد عقد كامل، أي في عام 2024، يرتفع عدد الشركات المتوقفة إلى 670 شركة، بينما تواصل 330 شركة نشاطها. وفي عام 2029، أي بعد 15 سنة من الانطلاق، يصل عدد الشركات المغلقة إلى 900 شركة. في خاتمة المطاف نجد أن 100 شركة فقط قد صمدت في هذه المنافسة.

 

تُرى إلى أي مدى يجب أن يكون المرء واهمًا لكي يقوم بهذه القفزة الخطرة وهو واثق من أن شركته الجديدة ستكون ضمن نسبة الـ 20% التي تتحدى الفشل؟

 

نحدثكم في هذا المقال عن تجربتنا خلال عقدٍ من الزمن، حيث أجرينا بعد مرور عشرة أعوام تقييمًا شاملًا لمسيرتنا، استعرضنا فيه ما تحقق من نجاحات وما واجهناه من إخفاقات، واستخلصنا الدروس والعبر التي تعلّمناها على امتداد هذه الرحلة، بهدف تجنّب المصير الذي يواجهه 67% من المشاريع الناشئة. نشارككم المبادئ التي قادتنا إلى النجاح، ونتناول بصراحة التحديات التي واجهناها والجروح والندوب التي أصابتنا وضرورة معالجتها والعناية بها. كما سنفتح نافذة على آمالنا وطموحاتنا للمستقبل وما نحلم بتحقيقه في المرحلة القادمة.

 

تجنّب مصير الـ 67%

إن تجنّب الفشل لا يُعدّ هدفًا يُحدَّد في بداية الطريق أو في أي مرحلة لاحقة، بل هو ثمرة جهودٍ متراكمة يبذلها المؤسسون بخبرتهم الواسعة وإصرارهم الحقيقي على خوض التجربة، وبسمعتهم المهنية وسماتهم الشخصية. غير أن العامل الأهم في ذلك هو القدرة على التخلّي عن الغرور وتجنّب تأثير “الأنا”. 

 

المبدأ الأول في ريادة الأعمال: 

حينما تؤسس عملا تجاريًا، استعن بمختصّي المجال

يتطلب إطلاق المشاريع التجارية، لا سيما في المجالات التقليدية مثل هذا المجال الذي نعمل فيه، وجود خبراء مخضرمين قادرين على تحقيق الانطلاقة الأولى وضمان استمرارية النجاح. وهذا يُشكّل المبدأ الأول للعمل.

 

لكن هل يعني ذلك أنه يجب على المؤسسين أن يمتلكوا كل مهارات إدارة الأعمال قبل تأسيس شركاتهم؟ ليس بالضرورة. إلا أنه من المهم، مع تقدمهم في مشروعهم، أن يكتسبوا معرفة أساسية تمكّنهم من إدارة أعمالهم بفعالية.

لقد استفدنا كثيرًا في تأسيس شركتنا وإدارة أعمالنا من كتاب أليكساندر أوستروالدر وإيف بيجنو Alexander Osterwalder & Yves Pigneur ابتكار نموذج العمل التجاري (The Business Model Generation). لقد مكنتنا أفكار هذا الكتاب من تعزيز فهمنا للركائز الأساسية التي نحتاجها لإدارة العمل وتطويره.

 

خلال الفترات الأولى لتأسيس مشروعنا “إلى الأمام”، بين عامي 2014 و2017، عملتُ مع المؤسِّسة مريم الدباغ على تنظيم ورش عمل في منزلنا ومنزل زينب الدباغ (ابنة عم مريم والتي تولّت لاحقًا خدمات العلاقات الإعلامية لدينا)، صممنا خلالها كل عنصر من نموذج العمل التجاري بدقة وعناية. كان مشروع “إلى الأمام” الانطلاقة التمهيدية لولادة “رؤية”،  فقد أسهم بشكل جوهري في إعداد السرديات وبناء المحتوى الإبداعي لعدد من المؤسسات في دولة الإمارات العربية المتحدة ومنطقة الخليج.

عندما وصلنا إلى هذه المرحلة، بدأت تظهر أمامنا متغيرات تجارية جديدة مثل آلية التسعير، وعرض المعلومات، وإدارة العمليات، وجودة تقديم الخدمات. ومع ذلك، لم يكن كل شيء مثاليًا. فمهما حاولتَ الوصول إلى الكمال في تنفيذ أعمالك، لن تتمكن من تحقيقه فعلًا. أقول ذلك بثقة تامة، لأنه بعد خمس سنوات من الآن، عندما تعود لتتأمل ما كنت تعتبره يومًا “عملًا مثاليًا”، ستشعر نحوه، على أقل تقدير، بشيء من الخجل.

 

المبدأ الثاني للعمل:

تتطلب ريادة الأعمال التجارية تفانيًا وجهدًا دؤوبًا 

أقول بصيغة ملطّفة، لقد انغمسنا تمامًا في أعمال تطوير الشركة، منذ انطلاقتها باسم “إلى الأمام”، والذي تغير في 2017 إلى “رؤية”. لقد أصبحت رؤية محور حياتنا، ظل تركيزنا منصبًّا على العمل فقط وتطوير الشركة. كنا نعمل حتى ننهك، فنأخذ قسطًا من الراحة لبضعة أيام، إذا حالفنا الحظ في ذلك، ثم تعود بنا الدوامة إلى حيث بدأنا. فإذا لم نكن نائمين، ستجدنا منهمكين في تطوير وتنمية الشركة، كنا نجسد المبدأ الثاني في عالم ريادة الأعمال: لا بد من الالتزام التام والتفاني خلال المراحل الأولى من تأسيس الشركة.

 

تتطلب ريادة الأعمال التزامًا يستهلك كل جانب من جوانب حياتك تقريبًا، إلى حدٍّ يلغي الخطوط الفاصلة بين حياتك الشخصية والمهنية. يرتكز نجاحك على قدرتك على تكريس كل لحظة متاحة لك لتنمية العمل واستقراره. لا يكفي أن تكون جادًا في عملك، بل يتوجب عليك الانغماس التام فيه،  فكل القرارات التي تصدرها، والخطوات التي تتخذها والأفكار التي تطورها لا بد أن تكون موجهة  لبناء الشركة، حتى عندما تكون بعيدًا عن العمل، يظل ذهنك مرتبطًا به.

 

الكثير من الجدران الصلبة والحواجز

المبالغ النقدية الشخصية –  تكاليف المعيشة تتعدى المدخول النقدي

 

عندما بدأنا مشروع ”إلى الأمام“، كانت تكاليف معيشتنا أعلى بكثير من إيرادات أعمالنا. لذا اضطررنا إلى اتخاذ قرار حاسم من أجل بقائنا والحفاظ على حظوظنا، وهو الانتقال إلى مدينة أقل تكلفة.

 

عادة ما يستغرق إنشاء الأعمال التجارية وقتًا طويلًا،  فالبشر بطبيعتهم ينفرون من المخاطر. وبطبيعة الحال ينطوي كل عمل جديد على حزمة من المخاطر العالية يجابهها كل صاحب عمل يتطلّع إلى الحصول على أفضل النتائج التي يمكن أن يحصل عليها لقاء أمواله المستثمرة (Blunk, 2024). وهنا يأتي دور المبدأ الأول الذي تحدثنا عنه آنفًا. 

 

استنادًا إلى معرفتنا الطويلة بالسوق، يمكن القول إن الاعتماد على شبكة العلاقات يساعد على تقديم أعمال ذات جودة عالية والحفاظ على سمعة جيدة، وهو ما يفتح الأبواب أمام تدفق فرص الأعمال في المراحل الأولى. ومع ذلك، حين لا يكفي هذا النجاح لتلبية احتياجات الحياة اليومية، يبدأ القلق بالتسلل، ويتحوّل التركيز من تطوير العمل وشغف الإبداع إلى مجرد السعي لتأمين لقمة العيش.

 

طلب مرتفع – سعة منخفضة (سعر منخفض مع جودة عالية ← حجز زائد ← إحباط)

عندما يرتفع الطلب على المنتجات أو الخدمات في ظل محدودية القدرات وانخفاض الأسعار المقدمة، مع المطالبة بجودة عالية، يتجاوز هذا الإمكانات المتاحة، مما يولّد شعورًا بالإحباط.

 

بحلول عام 2016، كنا قد وصلنا إلى شهرنا السادس من العمل، لذلك قررنا التوسع والدخول إلى سوق جديدة، وهي إدارة العلاقات العامة. كان ذلك عالم آخر، لم تكن لي دراية كافية به، لكن كان لمريم خبرة ومعرفة بالمجال فقد بدأت مسيرتها المهنية من هذا القطاع. واتباعًا للمبدأ الأول، بضرورة الاستعانة بخبراء في المجال الذي تنشئ فيه عملك التجاري، تحدثنا مع يُسر الدباغ (شقيقة مريم، أظنك قد خمنت ذلك!) للانضمام إلى شركتنا ”إلى الأمام“ و العمل وتأسيس قسم العلاقات العامة. وعلى الرغم من أن القرار بترك وظيفتها الحكومية الثابتة والمريحة للانضمام إلى هذا المشروع الجديد، الذي بدا آنذاك كأنه مشروع صغير يشبه الهواية، لم يكن سهلًا، فقد اتخذت يُسر هذه الخطوة بشجاعة وثقة، ومع إيمان كامل بإمكانيات المشروع، وانضمّت كشريك ثالث إلى مؤسستنا الوليدة “إلى الأمام”.

 

المبدأ الثالث للعمل:

حدد لنفسك راتبًا شهريًا

 

عندما تحولنا من “إلى الأمام” إلى “رؤية”، تركزت مساهمتي في الشركة على إعداد المقترحات والعمل المحاسبي ومتابعة العقود والفواتير والإيصالات. وقد حرصنا منذ البداية على أن يكون لكل منا راتبًا ثابتًا، لم نتعامل مع الحساب المصرفي للشركة كحساب شخصي. هنا يأتي مبدأ العمل الثالث: حدد راتبًا لك وللشركاء الآخرين. ينبغى أن يغطي هذا الراتب احتياجاتك الشهرية الأساسية وألّا يتجاوز 10% من القيمة التي تحصل عليها كشريك في الشركة. يمكن تقسيم هذه النسبة إلى 5% أو أقل من حيث الراتب الشهري، والباقي يؤخذ على شكل أرباح.

 


ينبغي أن يغطي هذا الراتب الاحتياجات الشهرية الأساسية فقط، وألا يتجاوز 10% من القيمة التي تضيفها كشريك في الشركة، ويمكنك أيضا احتساب 5% أو أقل كراتب شهري، ويُصرف الباقي على شكل أرباح عند تحقيقها. ويمكنك كذلك قياس الأمر من زاوية أخرى: إذا كنت ستوظف شخصًا للقيام بالمهام نفسها التي تؤديها أنت، فكم سيكون الراتب الذي ستدفعه له؟

إجابتك عن هذا السؤال ستمنحك تصورًا واقعيًا لمتوسط الرواتب السائدة في السوق. وفي الوقت الحالي، تُظهر التجربة أن مستويات الأجور في معظم الشركات الخاصة، سواء الناشئة أو القائمة، هي في  العادة أقل بكثير مما تقدمه الجهات الحكومية وشبه الحكومية والمؤسسات العامة.

 

يجب أن يشكّل الأسلوب الذي تحصل به على راتبك الشخصي في شركتك أولوية أساسية لضمان استقرار التدفق النقدي، والحفاظ على سجلات مالية منظمة، وتسهيل عمل المراجعين الماليين. بالنسبة لي، كان ذلك يعني الحصول على راتب شهري قدره 1,500 درهم إماراتي بصفتي شريكًا مؤسسًا أعمل بدوام جزئي.

 

أما عن مريم فقد كانت التجربة مختلفة بعض الشيء، فمع مرور الوقت، بدأت الطلبات تتزايد من شبكة معارفها في هذا المجال، وحرص العملاء على التعاون معها بشكل مستمر. كانت تسلّم مشروعًا تلو الآخر بوتيرة متسارعة، إلى أن وصلت “إلى الأمام” إلى مرحلة لم تعد فيها قادرة على تلبية الكمّ المتزايد من الطلبات أو الحفاظ على مستوى الجودة الذي عُرفت به. لم تعد ساعات اليوم تكفي لإنجاز كل المهام، فقد كانت مريم الشخص الوحيد الذي يمتلك الخبرة والمهارة الكفيلتين بضمان جودة العمل. وعندما حاول الشركاء الآخرون المساهمة في بعض المهام المتخصصة التي كانت تتولاها، بدأت شكاوى العملاء تتكرر، فكانت النتيجة ليالٍ طويلة من العمل المتأخر، وشعور متزايد بالإرهاق والإحباط.

 

هناك العديد من المفاهيم التجارية التي يجب أخذها في الاعتبار عندما يحتاج المؤسسون لتقييم ما إذا كان عملهم قابلًا للاستمرار أو لا. على سبيل المثال، ما هي تكلفة الخدمات المقدمة؟ المفترض أن تكون هذه التكلفة أقل من الأسعار التي نقدم بها منتجاتنا أو خدماتنا.

 

بالنسبة لشركتنا “إلى الأمام”، كانت البنية التحتية متوفّرة منذ البداية. استخدمنا منزلنا كمقر للعمل، واعتمدنا على الإنترنت وأجهزتنا الشخصية، فكان الوقت والجهد هما العنصران الرئيسيان في تكلفة تطوير كل صفحة من صفحات المحتوى الذي كنا نقدمه. وقد سمح لنا الهامش الإجمالي من الدخل بتغطية احتياجاتنا اليومية، وتجنّبنا في ذات الوقت تكاليف إضافية، مثل إيجار المكتب أو المواد المستخدمة في تقديم الخدمات فساعدنا ذلك في الحفاظ على تدفق نقدي إيجابي منذ الانطلاقة الأولى.


في تلك المرحلة، لم يكن صافي الربح أولوية قصوى، لكن بفضل مرونة هيكل أعمالنا، تمكّنا من الوصول إلى نقطة التعادل المالي خلال ستة أشهر فقط من بدء التشغيل. اكتشفنا من خلال المحاسبة الإدارية إمكانية الاستفادة من مفهومين تجاريين أساسيين لتقييم جدوى خطوط العمل قبل الشروع في الاستثمار، هما: هامش المساهمة وتكلفة الفرصة البديلة. كان لدينا خطان من الأعمال في تلك المرحلة: تطوير المحتوى وإدارة العلاقات العامة.

كان العمل في تطوير المحتوى يتطلب مزيجًا متقدمًا من المهارات اللغوية الرفيعة والخبرة الثقافية والفهم العميق للفنون والثقافة. كان التحدي الأكبر يتمثّل في إدراك العملاء لقيمة هذا العمل، إذ أن الكثيرين منهم كانوا يرون أنه مهمة بسيطة لا تستحق كلفة مرتفعة، بينما كانت الحقيقة عكس ذلك تمامًا. حاولنا مرارًا إقناعهم بأهمية الجودة والعمق في هذا النوع من المشاريع، لكن دون جدوى. حتى في الحالات التي كانوا يقبلون فيها بما نطرحه عليهم، كانوا يشترطون أن تُنفّذ أعمالهم بواسطة مستشار ذي خبرة عالية وهو ما يعني تكاليف باهظة وأن يستغرق العمل وقتًا أطول.

 

لقد دفعنا استيعابنا لمفهومَي هامش المساهمة وتكلفة الفرصة البديلة إلى البحث عن نموذج تسعير مبتكر يتيح لنا التحرر من معايير الصناعة التقليدية، ويوازن بين قيمة الخدمة والتكاليف المطلوبة لتنفيذها بكفاءة وجودة.

 

قيادة السفينة

قد يظن القارئ، بعد الاطلاع على الفقرات السابقة، أنني كنت أعمل في “رؤية” بدوام كامل. إلّا أن الواقع  كان غير ذلك، حيث يفرض تأسيس الشركات الناشئة على بعض الشركاء خلال المراحل الأولى الاحتفاظ بوظائف جانبية تضمن مصدر دخل ثابت، إلى أن تصل الشركة إلى مرحلة الاستقرار وتحقق عوائد كافية. وفي حالتي، فقد كنت أوازن خلال الفترة بين 2015 ومايو 2017، بين شغفي بالرياضة والتزامي تجاه شركتنا، فعملت كمدرّب في مركز فيت ريببلك للياقة البدنية، وهي مهنة قديمة ذات علاقة ببداياتي الأولى في مجال ريادة الأعمال. وبحلول عام 2017، كان الوقت قد حان لاتخاذ الخطوة الكبرى: أن أكرّس وقتي بالكامل لـ”رؤية”.


في تلك المرحلة، كانت “رؤية” تتعاون مع عدد من الشركات الصغيرة في إمارة الشارقة، انخرطتُ خلال تلك الفترة في تنفيذ المشاريع، ومتابعة العلاقات الحكومية، وإعداد المقترحات. كان مشروعنا الأكبر آنذاك هو إدارة الاتصالات الخاصة باحتفالات حكومة الشارقة باليوم الوطني، في نهاية عام 2017.

 

كنت دائما حريصًا على بناء أنظمة داخلية متكاملة لإدارة المشاريع والموارد البشرية وتطوير المقترحات. وبحلول عام 2015، أصبحت شركة “إلى الأمام” بيئة خالية من الأوراق، حيث قمنا باستخدام برامج سحابية ساعدت على تعزيز التواصل والعمل الجماعي بسلاسة وكفاءة في كلّ وظائفنا.

 

وبالطبع، كان هناك تدقيق الحسابات! فمع انتقالنا من “إلى الأمام” في إمارة أبوظبي إلى “رؤية للاستشارات” في إمارة الشارقة، بدأنا رحلتنا التي امتدت لـ 18 شهرًا، جمّعنا خلالها كشوف الحسابات المصرفية والإيصالات والفواتير، ونقلناها من النظام المحاسبي المعقّد الذي كنا نستخدمه إلى برنامج يتميز بسلاسة وفاعلية أكبر.


كما شرعنا في وضع نظام محاسبي داخلي، أسّسناه من الصفر، شمل تطوير مخطط الحسابات ووضع إجراءات تشغيل موحدة للموارد البشرية وإنشاء نظام أرشفة فعّال يتيح الوصول إلى المستندات بسهولة دون الحاجة للبحث الطويل أو السؤال عن مكان تواجدها.

 

لم يكن الطريق مرسومًا بالكامل، بل كل خطوة كانت تفتح أمامي بابًا لخطوة جديدة، حتى وجدت نفسي أقود أكبر مشروع خدمي في تاريخ شركتنا القصير. المدهش أن هذا المشروع لم يكن في مجال التواصل والاتصالات الذي بدأنا منه، بل في عالم التجارة الإلكترونية! حينها أدركت أن الوقت قد حان لأرفع مستوى أدائي وأتطور إلى المرحلة التالية. وهنا برز أمامي قدوتي في عالم الأعمال منذ سنوات طويلة، جاك ويلش. مرحبًا جاك!

 

ملاحظة: لقد حصلتُ على درجة الماجستير في إدارة الأعمال من معهد جاك ويلش للإدارة الذي صُنّف لعدة سنوات متتالية ضمن أفضل 10 برامج على مستوى العالم تمنح درجة الماجستير في إدارة الأعمال عبر الإنترنت. لقد استغرقني الأمر ثلاث سنوات لإكمال هذا البرنامج، يسعدني أن أبلغكم بأنني من خريجي معهد جاك ويلش للإدارة.

 

كيف أثرت المفاهيم التي تعلمتها في برنامج ماجستير إدارة الأعمال على تطوير رؤية؟

 

الدروس المستفادة 

من أبرز الدروس التي اكتسبتها خلال برنامج ماجستير إدارة الأعمال في معهد جاك ويلش كان معرفة قدراتي الشخصية في إدارة النزاعات. هذا الوعي الذاتي كان حاسمًا في تشكيل أسلوبي في التعامل مع الخلافات داخل الفريق، مما ساعدني على اتخاذ قرارات أكثر توازنًا وتحقيق تعاون أفضل بين أعضاء الفريق. لقد تعرفت عبر برنامج الدراسة أيضًا على بعض المفاهيم الأساسية التي أثرت في تفكيري بشكل عميق، على سبيل المثال:

 

عرفت أن الحصول على فريق متماسك وفعّال يبدأ بمعالجة الاختلالات الداخلية، وهذا ما تعلمته من كتاب “العوامل الخمسة لخلل العمل الجماعي” (The Five Dysfunctions of a Team) لباتريك لينسيوني الذي يركز على ضرورة معالجة النقاط الحرجة لتعزيز التعاون والثقة بين الأعضاء. قدّم كتاب “استراتيجيات الإدارة في الوقت المناسب” (The Five Dysfunctions of a Team) للكاتب بيتر نافارو رؤى قيّمة حول كيفية التعامل مع تقلبات الدورة الاقتصادية، من أبرزها أهمية حماية الكفاءات العالية خلال فترات الركود، وضرورة زيادة الإنفاق الرأسمالي في أوقات الانكماش استعدادًا لمرحلة الانتعاش الاقتصادي المقبلة. ولا يفوتني هنا الإشارة إلى أفكار لازلو بوك حول “الحكمة الجماعية” التي أوضحت لي قوة تنوع الآراء ودور الذكاء الجماعي في اتخاذ القرارات الصائبة.

 

وهناك أيضًا نهج جاك ويلش في إدارة الثقافة والأداء الذي استفدت منه كثيرًا في غرس ثقافتنا المؤسسية بالتركيز على النتائج، لا مجرد الإنجازات الفردية. كما طبقت أيضًا ما تعلمته من مهارات في تبسيط عملية التخطيط الاستراتيجي بالاعتماد على استراتيجية مختصرة تقوم على خمسة أسئلة بسيطة تجعل خطواتنا أكثر وضوحًا وتركيزًا، وقابلة للتطبيق على أرض الواقع.

 

كيف غيرت هذه الدروس نهجي في إدارة الأعمال واتخاذ القرارات الاستراتيجية؟

أول ما أدركته هو أنه لا توجد وصفة سحرية لإدارة الأعمال. فعلى عكس ما تصوّره بعض الكتب أو المقالات بأن منصب الرئيس التنفيذي يقتصر على نخبة محدودة من الناس يختلف الواقع عن ذلك، إذ أن  النجاح في إدارة أي شركة يتطلب تراكم الخبرات العملية، والالتزام المستمر بتطوير الذات والحفاظ على شغفك بالمجال الذي تعمل فيه، مع الإيمان العميق بفرص المستقبل.

بالطبع، هناك العديد من الاستراتيجيات والأدوات والنماذج التي يستخدمها الرؤساء التنفيذيون وفرقهم في الشركات الكبرى، إلا أن محاولة تطبيق كل ذلك في شركة صغيرة يمثل بلا شك تحديًا كبيرًا. ومع ذلك، طالما كان المدير حريصًا على التعلم المستمر، ومنفتحًا على تطوير ذاته، ومستمعًا جيدًا لمن حوله، سيكون قادرًا على قيادة شركته بنجاح نحو النمو والتميز.

وكما هو الحال مع معظم طلّاب ماجستير إدارة الأعمال، عشت تجربة امتدت بين 18 و24 شهرًا مليئة بالاكتشاف والتعلّم المستمر. تنقلت خلال هذه الرحلة، بين مفاهيم وأساليب متنوعة، بدءًا من دروس القيادة وصقل الحضور التنفيذي، ومرورًا بعالم التسويق، وإدارة سلاسل التوريد والعمليات، ووصولًا إلى التكنولوجيا وريادة الأعمال. 

لقد كان لبعض هذه المفاهيم أثر مباشر في مسيرة شركتنا الناشئة، ومن أبرزها إدراك أهمية التعامل مع الاختلاف البنّاء في وجهات النظر ، عبر إبداء الآراء وتوظيف الحدس في المواقف العملية. فالتزام الصمت أو الاكتفاء بمناقشة المخاوف خلف الكواليس من قِبل المدير وحده يقود حتمًا إلى بيئة عمل سامة. ولهذا، فإن الصراحة والشفافية في تقديم الملاحظات لابد منها  للحفاظ على ثقافة عمل صحية ومنتجة.

بالإضافة إلى ذلك، يسهم توقّع أعلى مستويات الجودة من الفريق، وتوضيح الأهداف المطلوبة منهم، مع الصراحة في تقديم الملاحظات، في ترسيخ ثقافة التميّز داخل الشركة وتعزيز روح المسؤولية المشتركة بين أعضائها.

تطبيق الدروس المستفادة في “رؤية”

ساهمت تجربتي في دراسة الماجستير في غرس ثقافة التعلّم المستمر في ثقافة الشركة وإدارتها. وكانت الاستراتيجيات والإجراءات التي طبقناها في الأوقات المناسبة ذات أثر بارز بالنسبة لنا، تمامًا كما أشار بيتر نافارو. فعلى سبيل المثال، شكّلت حماية الكفاءات عالية المهارة خلال فترات الركود، وانتقاء أفضل المواهب من سوق العمل، وزيادة النفقات الرأسمالية لتطوير منتجات مبتكرة وبناء قدرات جديدة استعدادًا لمرحلة الانتعاش، استراتيجيات أساسية ساعدتنا على تحقيق النمو بنسبة 500% حسب بيانات المؤشرات الأساسية التي حصلنا عليها خلال السنوات الأربع الماضية.

كما جرى توظيف الدروس الأخرى بطرق متعددة في “رؤية”، فعلى سبيل المثال، اعتمدنا استراتيجيات بنّاءة لإدارة النزاعات، فأسهم هذا في تعزيز ديناميكية فريق العمل وترسيخ ثقافة قائمة على الشفافية والمساءلة. 

بعد عقد من الزمان، إلى أين نتجه؟

الوضع الحالي لشركة “رؤية”
تُعد “رؤية” اليوم من الشركات الرائدة إقليميًا في مجال السرد الاستراتيجي والاتصال، باللغتين العربية والإنجليزية. وقد نجحت الشركة في تنفيذ مشاريع وطنية ودولية كبرى في كل من دولة الإمارات العربية المتحدة ودولة قطر والمملكة العربية السعودية واليابان.

لقد انطلقت “رؤية” من بدايات بسيطة، من غرفة معيشة في أحد المنازل، بفريق صغير تكوّن من شخصين فقط، لتصبح اليوم شركة متكاملة تعمل من مكاتب يبلغ مجموع مساحتها 3000 قدم مربع (بالمقارنة بالـ 200 متر مربع التي بدأنا بها)، وتضم أكثر من 25 موظفًا* بدوام كامل إلى جانب شبكة من المتعاقدين المؤهلين تأهيلًا عاليًا. كما تستخدم الشركة أحدث التقنيات في الأجهزة والبرمجيات لدعم عملياتها. ومنذ عام 2019، شرعت “رؤية” في تطبيق أنظمة فعّالة لإدارة المشاريع تضمن أقصى درجات الكفاءة، مع تحقيق استغلال كامل لمواردها البشرية بنسبة 100٪.

ومؤخرًا، أطلقت الشركة خدماتها في مجال الاتصال الرقمي، إلى جانب موقع إلكتروني محدّث ومدوّنة متخصصة وبودكاست قيد التطوير، فضلًا عن مجموعة من المنتجات والخدمات الجديدة التي ستُطرح تباعًا  وفي عام 2024، أطلقنا قسم البحوث والدراسات الذي نجح في تنفيذ مجموعة متنوعة من الدراسات الكمية والنوعية لخدمة عملائنا، مما عزز من القدرات التحليلية ورسّخ نهجنا الذي يقوم على البيانات والمعرفة.

الأهداف والرؤية المستقبلية
تتمثل رؤيتنا في توجيه قصتنا وامتلاكها. وتتمحور رسالتنا حول تجسيد الإحسان في كل ما نقوم به، بهدف تسعى رؤية إلى البحث في والكشف عن الممارسات الموروثة وتعزيز فهمنا لها لصياغة سرديات وطنية أصيلة. نسعى إلى تهيئة بيئة عمل تمكّن أفضل الكفاءات من أداء أفضل ما لديهم، من خلال سياسات عمل تتمحور حول الإنسان، ورواتب تنافسية، ومشروعات مثيرة وذات أثر ملموس.

نصائح لرواد الأعمال الجدد
بناءً على تجربتنا في “رؤية”، أنصح رواد الأعمال الطموحين بالحفاظ على حماسهم وشغفهم، مع الالتزام بالتعلّم والتطوير المستمرَّين، والتركيز من البداية على تكوين فرق عمل قوية تُبنى على مفاهيم الثقة والشفافية والتعاون، والانفتاح على الاختلافات البنّاءة التي تدفع نحو التحسين. تذكّروا، لا توجد وصفة سحرية للنجاح، يعتمد الأمر على اكتساب الخبرة وتكريس الجهود والالتزام والقدرة على التكيّف مع التغيرات المستمرة. بالثبات، وتقسيم العمل، والتحلّي بالتواضع، يمكنكم تجاوز التحديات الهائلة التي ستواجهكم وتحقيق تقدم ملموس في طريقكم نحو أهدافكم.

بالإضافة إلى ذلك، ما يُحدث أكبر فرق في مدى قدرة شركتكم على البقاء هو مدى مرونتكم وكفاءتكم في إدارة الموارد. أبقوا نفقاتكم منخفضة قدر الإمكان. على سبيل المثال، بدلًا من توظيف محاسب، استعينوا بشركة محاسبة موثوقة؛ وبدلًا من شراء أثاث مكتبي جديد، ابحثوا عن أثاث مستعمل. اتخذوا القرارات المكلفة فقط إذا كانت لها عوائد تجارية واضحة. كما يجب أن تعاملوا الوقت كنفقة؛ إذا كان بإمكانكم العمل من المنزل، فقوموا ذلك، أو استأجروا مكتبًا قريبًا منكم.

أخيرًا، الأخطاء جزء أساسي من ريادة الأعمال. صمموا عملكم بحيث يشمل التجربة، والمحاولة والخطأ، وعدم الكمال. ريادة الأعمال هي بحد ذاتها رحلة تعلم وتطوير مستمرة. إذا لم تتجنبوا مصير الـ 67% في أول مرة، فستكون فرصكم أفضل في المرة الثانية أو الثالثة أو الرابعة. إذا لم تستسلموا، سيكافئكم السوق بالنجاح. في النهاية، ستحققون أهدافكم!

عبد الرحمن سالم
عبد الرحمن سالم
عبد الرحمن خبير استراتيجي في الشؤون المالية والعمليات. يتمتع عبد الرحمن بخبرة واسعة في القطاعين العام والخاص، فضلًا عن معرفته العملية في مجال تنمية الأعمال والتطوير المؤسسي وتحسين الأداء. تشتمل مهام عبد الرحمن في رؤية على إدارة المرونة المالية، والشؤون القانونية، والعلاقات الحكومية، وإيجاد فرص التوسع لتعزيز استدامة الأعمال.

أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ثخذ ضظغ