تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رؤية للاستشارات

AR
EN
مشاركة عبر
البحث في خطوة انتقالنا إلى ميناء زايد
مشاركة عبر
إلغاء
نظرة عامة

في عام 2025، وفي عامها العاشر، اختارت رؤية إعادة التفكير في رؤيتها للمكان وعلاقته بالممارسات الثقافية.

قررت رؤية استئجار مساحة في مدار ٣٩ في أبوظبي، لاستكشاف كيف تشكل البيئات طريقة العمل. تحولت هذه الخطوة إلى بحثٍ عميق حول الإنتاجية، وكيف يمكن لمكان العمل أن يجسّد الموروث الثقافي.

السياق

بعد عقدٍ من الشراكات الهادفة في تطوير استراتيجيات التواصل والسرديات الوطنية، أدركنا في رؤية أن تواجدنا في مساحات العمل المتخصصة تحتاج إلى تجديد عاجل. فقد نما الفريق في الحجم والقدرة، وأصبح عملنا يتطلب أكثر من أي وقتٍ مضى التفاعل مع المجتمعات في جميع أنحاء دولة الإمارات وترجمة المعرفة الثقافية إلى استراتيجيات التواصل المباشر والسرد الحقيقي.

منذ إنشاء رؤية في عام 2015، مرت حياتنا العملية بأشكال عديدة. بدأنا في منزل أحد الشركاء، حول مائدة طعامه في أبوظبي. ثم انتقلنا إلى مكتب صغير في الشارقة، تلاه مساحة أكبر في قلب دبي، قبل العودة إلى وسط أبوظبي بمكتب ثانٍ احتضن طاولاتنا المألوفة وإضاءتنا وماكينة القهوة التي نحبها.


في السنوات الأولى، كان بناء الشركة يعني بناء الأساسيات، ففكرة استئجار مكتب كانت بحد ذاتها إنجازًا كبيرًا. المكاتب والكراسي والإضاءة المناسبة وماكينة القهوة كان دليلًا لنا على أننا ننجح. كنّا نعد هذه الانتصارات الصغيرة مهمة، ولا تزال كذلك: أجهزة كمبيوتر جديدة، أقلام حبر أزرق، أوراق بيضاء ومخططة وفنجان قهوة ساخن.

 


في الوقت نفسه، واجهت رؤية لسنوات طويلة قيودًا خفيّة، كشركة صغيرة كان العثور على مكان ميسور التكلفة ضمن مجتمع إبداعي أمرًا بعيد المنال. نعم، بنينا مكاتب جميلة في أنحاء دولة الإمارات، غالبًا في مبانٍ قديمة نقدرها لعمارتها العتيقة, واحتضنت عملنا وأثاثنا جيدًا، لكنها كانت خارج النظام البيئي الثقافي الذي تلتقي فيه عادةً الشركات الإبداعية.


كان التواجد وسط مجتمع متشابه في التفكير غالبًا ما يأتي بتكلفة تجعله بعيد المنال. شكّلت هذه الفجوة واقعًا لا تتطرق إليه مؤتمرات ريادة الأعمال للعديد من الشركات مثلنا، وهو أن العمل الثقافي يجب أن يزدهر من خلال مساحات مشتركة، لكن الوصول إلى تلك المساحات المتاحة مهمة شبه مستحيلة.

 

على مر السنين، حاولنا تقديم طلبات الانضمام لبعض “المناطق الإبداعية” الأخرى، وأذكر الرد السريع بالرفض في إحدى المرات بحجة أن ملفنا “لا يستوفي المتطلبات”. هذه العبارة آلمتنا قليلًا، خاصة عند النظر إلى الأرقام والبيانات الحقيقية، فقد ساعدت رؤية في إطلاق ودعم أكثر من 30% من المستأجرين في تلك المناطق نفسها.

 

كان من السهل الشعور بالمرارة تجاه الرفض. لكن بصراحة، كلما تأملنا بالأمر، توضحت حقيقة ندركها دومًا أن تلك الأبواب أُغلقت لأننا كشركة محليّة متأصلة في سياق دولتنا، لا نعير اهتمامًا لما نسميه في اللغة الإنجليزية العامية: “الكول ايد الثقافي”، وهو ما نقصد به النسخة المصقولة من الثقافة التي تُقدم في كتيبات لامعة ومترجمة سطحيًا وفعاليات لا تأخذ بعين الاعتبار الاحتياجات الحقيقية لمجتمعنا. في رؤية نحن اخترنا العمل الأبطأ، والذي يكون أقل جاذبية على وسائل التواصل الاجتماعي، والمتمثل في الدعم المستمر والحقيقي لمجتمعات الأعمال الإبداعية والاستماع بعمق لإحداث فرق حقيقي من خلال عملنا.

توقفنا عن طرق الأبواب التي لا تعترف بما نقدمه، وبدلًا من ذلك، دخلنا عبر الأبواب التي رحبّت بنا وبأصالتنا.

مميزات مدار ٣٩

عندما افتُتح مدار ٣٩ في ميناء زايد، اتضحت لنا معالم أهداف حقيقية ورغبة من المساحة على إبقاء اتصال وثيق بتاريخ المنطقة العريق الذي اشتهر بالتبادل الثقافي والتجاري والمسؤولية الإبداعية.

بالنسبة لنا في رؤية، كان هذا يعني الكثير، ففي دولةٍ تتميز بالكثير من الخيارات لمكاتب ومساحات متعددة، قليل جدًا منها يخاطب فعليًا الشركات الصغيرة والمبدعين المستقلين. بدأ مدار ٣٩ في البداية وكأنه حلم يصعب تصديقه، حتى بدأنا العمل معهم.

في وقت سابق من هذا العام، تقدمنا بعرض للعمل على استراتيجية التواصل والسرد مع مدار ٣٩. سمحت هذه الشراكة لنا برؤية كل شيء عن قرب والتعامل معهم بشكل وثيق. اتضح لنا من خلال العمل معهم أن كلماتهم تتطابق مع أفعالهم اليومية، وأن أهداف المساحة حقًا أصيلة ومتجذرة بقوة في الممارسة الفعلية. كشفت محادثاتنا الصادقة والمفتوحة مع الفريق عن طريقة عمل جديدة، في جوهرها تشبه العودة إلى شيء قديم وحقيقي، وهي الطريقة التي عملنا بها معًا دائمًا في هذه المنطقة.

 

ومن الجدير بالذكر أن مدار ٣٩ ترى أن دعم الأعمال الصغيرة والمتوسطة والمبدعين هو جزء لا يتجزأ من بناء المجتمع، وأن التشارك في النية الصادقة والمسؤولية المتبادلة هو شرط للنجاح.

وأذكر أن خلال اجتماعاتنا معهم أسئلتهم الصادقة عما تحتاجه الشركات الصغيرة فعلًا؟ وماذا يمكننا أن نقدمه للمجتمع بالمقابل؟ هذه الأسئلة قادت سريعًا إلى توافق أعمق.


غيّر هذا التحول كل شيء بالنسبة لنا. أصبح اختيار مكان العمل فجأة يتعلق بالانتماء إلى مجتمع حقيقي، والمساهمة بشكل هادف، ومشاركة المسؤولية الإبداعية.

مجلس يحتضن مجلسًا

حين انتقلنا إلى مكتبنا الجديد في مدار ٣٩، أردنا أن يكون مجلسٍ ثقافي وأرتأينا أن نبتعد عن النمطية المعروفة لمكاتب العمل.
رتّبنا المساحة بحيث يشعر الجميع بالقرب من بعضهم البعض. استلهمنا ذلك من مجالس بيوتنا: صور عائلية ولوحات تملأ الجدران، لكل منها حكاية. بعضها صور حقيقية لأجدادنا، وأخرى لوحات رسمها أهلنا، إلى جانب صور لمدن كانت يومًا ما جزءًا من حياتهم.

في زاوية المكان، يستقر تلفاز قديم وتنساب في أنحاء المكتب تفاصيل مستوحاة من أشجار النخيل، إشارة رمزية إلى بيئتنا وموروثنا وامتدادنا. حتى اختياراتنا البسيطة، من الأثاث إلى المواد الأخرى، جاءت في معظمها من موردين في ميناء زايد.
فإذا كنا حقًا ندفع بقيم الأصالة في عملنا، فلتكن في كل هذه التفاصيل الصغيرة، الصادقة.

أردنا لزوار المكان أن يدركوا عمق هذه الفكرة وجمالها، وأن يتذكروا أن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، جلس في مجالس شبيهة بهذه، مجالس دارت فيها أحاديث رسمت ملامح المستقبل لعدة أجيال.

 

 


بدا المجلس هنا امتدادًا طبيعيًا للمكان، لأن جوهر مدار ٣٩ في أساسه مساحة تجمع الناس حول طاولات مشتركة ومكاتب وأرائك مريحة ومطبخ مشترك يرحّب بالجميع. يبدأ اليوم بفناجين القهوة وأكواب الشاي، وتفوح في غرف الاجتماعات رائحة الزهور الطبيعية.

هل يمكن أن تتجاوز السرديات حدود العروض التقديمية؟

السؤال الذي يشغلنا اليوم: كيف يمكن للسردية أن تترجم إلى مكان؟ نعم الحكايات تُروى بالكلمات، لكنها أيضًا تتشكّل من خلال الناس، كيف يشغلون المكان وكيف يتفاعلون مع مجتمعهم. حين فتحنا أبوابنا لمجتمع مدار ٣٩، لفت انتباهنا تعليقٌ تقدم به أكثر من شخص: أن المكان بحد ذاته يحمل شعورًا مختلفًا بالأصالة، وكما قال أحدهم: “يجعلنا نميل إلى الاستماع والتحاور.”

أردنا لهذه المساحة أن تعبّر عنا، وما زلنا نعمل على ذلك.
حتى في التفاصيل التي قد تبدو غير منسجمة تمامًا، مثل كرسيي إيكيا الأخضرين، لهما معناهما الخاص. فهما من أول قطع الأثاث التي استطعنا اقتناءها. كنّا نراهما يومًا كأنهما عرشان، واليوم تغيّرت نظرتنا لهما، لكنهما ما زالا جزءًا من رحلتنا.


نعمل اليوم على تصميم برامج تنطلق من هدف رؤية وهو البحث والكشف عن الممارسات الموروثة، وفهمها من خلال الناس أنفسهم. نستمع إلى قصصهم، ونتواصل معهم كما تعودنا دائمًا، مع كوب من الشاي العراقي الطازج وحديث ممتع.
سنخبركم بالمزيد عن هذا قريبًا.

تساؤل ثقافي

فتح الانتقال إلى مدار ٣٩ أمامنا أسئلة أكثر عمقًا عن العلاقة بين المكان والأسلوب.

هل يمكن للمكان الذي صمم بروح المسؤولية الإبداعية أن يؤثر على أسلوب الشركة؟
هل يمكن أن يشجع الناس على العمل بقدر أكبر من الود والإحساس بالآخرين، لمجرد أنهم محاطون بصناع وفنانين ومفكرين مستقلين؟ هل يمكن للقرب اليومي والألفة والمشاركة، أن تعيد تشكيل ممارسات العمل؟

في ثقافتنا العربية، لا تعني مشاركة الخبز والملح الضيافة فقط، بل تشير إلى علاقات الثقة و الوفاء، و إلى المجتمع الذي يتشكل من مشاركة القوت والزاد.
يظهر هذا المعنى، في مدار ٣٩ في تفاصيل بسيطة، مثل الجلوس معًا، الأحاديث اليومية، والإحساس بأن المكان يشبه بيتًا مشتركًا.

هناك شيء صادق في مشاركة المساحة بهذا الشكل، فمشاركة ماكينة القهوة نفسها، وبرّاد الماء، وجلسات الطعام في المطبخ تشكّل لقاءات عابرة، لكنها مع الوقت تقرّب المسافات، وتنسج الثقة دون الحاجة إلى أي كلمات.


ما الذي يمكن أن يحمله هذا النموذج؟

هل يمكن أن يمتد هذا النهج إلى أماكن أخرى في المنطقة؟ هل يمكن أن تنمو المساحات الإبداعية انطلاقًا من سياقها الثقافي والتاريخي؟ يقع مدار ٣٩ في ميناء زايد، في منطقة شكلتها التجارة والإرث والتاريخ والمجتمع. وهذا يمنح المكان وزنه الخاص، ويذكّرنا بأن للمكان أثره، وأن الممارسات المتوارثة لازالت تؤثر على الطريقة التي يجتمع بها الناس.

ويظل بعض من التساؤل باقٍ في تفاصيل هذا النموذج:
هل السر في طريقة تواصل مدار ٣٩، من خلال محتوى مباشر يحمل طابعًا إنسانيًا؟ أم في البرامج التي تفضّل العمق على الاتساع؟ أم في ذلك القرب الإنساني بين الناس، حيث يتحدث القائمون على المكان بصدقٍ ودفء؟ وما الذي ينسجه هذا القرب، مع مرور الزمن، من أثرٍ في النفوس والعلاقات؟
تبقى هذه الأسئلة مفتوحة… فهي من صميم ما تعمل رؤية على استكشافه وفهمه من خلال هذه التجربة.